يتساءل المشركون الضالون، على سبيل التكذيب والاستبعاد قائلين: أئذا متنا، وتمزقت أجسادنا، وصرنا ترابا، واختلطت أعضاؤنا وأجزاؤنا بتراب الأرض فغبنا فيها متفرقين {أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} يعني أنبعث خلقا جديدا بعد أن تبعثرت أجسادنا وصرنا ترابا؟! وهذه مقالة المشركين المرتابين يرددونها في كل زمان، سواء في الزمن الغابر، إذ الجهالة والضلالة والسفه يغشى عقول الجاحدين ويضلهم ضلالا - أو في الأزمنة المتعاقبة الأخرى؛ إذ اللهو والغرور والانغماس في الشهوات والملذات والانشداد اللهوي الذي أفسد الفطرة، واستحوذ على القلوب والعقول جميعا - أولئك جميعا ينظرون إلى الساعة بمنظار الريبة والإهمال ليبوءوا أخيرا بالويل والخسران في الدارين، دار الدنيا ودار الآخرة.
قوله: {بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} أضرب عن ذكر كفرهم بالبعث إلى ما هو أفظع وأشد وهو كفرهم بكل أحداث العاقبة وليس البعث وحده.
قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} {يَتَوَفَّاكُم} ، من التوفي وهو استيفاء النفس وهي الروح؛ أي يتولى ملك الموت قبض أرواحكم جميعا فلا يستبقي منكم أحدا - وملك الموت، واحد من أعاظم الملائكة - وهو هائل ومَخُوف، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل - وقيل: له أعوان من الملائكة ينتزعون الأرواح من أجساد البشر إذا حضرهم الموت، حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قام ملك الموت بتناولها فهو موكل بقبض أرواح بني آدم جميعا.
قوله: {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} .
أي تردون إلى الله يوم القيامة؛ إذ تقومون من قبوركم منتشرين لتلاقوا الحساب والجزاء 6.
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
المخاطب بقوله: {وَلَوْ تَرَى} رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل أحد من الناس - ولو أداة امتناع لامتناع - والجواب محذوف وتقديره: لرأيت أمرا عظيما، وذلك حين ترى المجرمين ناكسي رؤوسهم ذليلين خزايا بين يدي ربهم، لفرط ما يجدون في أنفسهم من العار والحياء واليأس، وحينئذ يبادرون القول {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} يقرون بإبصار ما وعدهم الله وما توعدهم به من العذاب، وبأنهم الآن يسمعون قوله ويطيعون أمره بعد أن كانوا من قبل صُمّا وعميانا {فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} أي أعِدْنا إلى الدنيا نجيب دعوتك ونطع أمرك ونصدق الرسل، فقد صدقنا بالبعث والحساب وأيقنا أن وعدك حق وأن ما جاء به المرسلون حق وصدق.