والمؤمنون يتمنون بالغ التمني ويبتغون أشد الابتغاء من الله أن يهبهم الزوجات الصالحات الفضليات والأولاد والأحفاد من الذكران والإناث الصالحين ليكونوا لهم قرة أعين؛ أي مبعث سكينة وطمأنينة وحبور لهم في هذه الدنيا - ويوم القيامة يكونون بجوارهم في جنات الخلد - وهنالك تتحقق السعادة الكبرى، ويكتمل الابتهاج الغامر - وهبنا الله من الأزواج والذريات ما تقرّ به أعيننا فنسعد ونبتهج ونستقر في دنيانا وأخرانا.
قوله: (واجعلنا للمتقين إماما) (إماما) ، واحد أريد به الجمع؛ أي أئمة كثيرا - واكتفى بالواحد عن الجمع للعلم به 62 والمعنى: اجعلنا أئمة يقتدي بنا الناس من بعدنا في الخير والطاعات - أو اجعلنا للمتقين الذين يتقون معاصيك ويجتنبون نواهيك ويخشون عقابك، أئمة هداة دعاة إلى الخير فيأتمون بنا في الخيرات وعمل الصالحات.
قوله تعالى: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) } الإشارة (أولئك) في موضع رفع خبر لقوله: (وعباد الرحمن) وما تخلل بين المبتدأ وخبره، أوصاف عباد الرحمن - وقد ذكر القرطبي رحمة وهي إحدى عشرة: التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والنزاهة عن الشرك، والزنا والقتل، وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله 63.
قوله: (يجزون الغرفة) أي الجنة - وقيل: الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها.
قوله: (بما صبروا) أي بسبب صبرهم على أوامر الله؛ إذا أطاعوا فيما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه صابرين على ذلك محتسبين - وكذلك صبرهم على مواجهة الصعاب والكروب في حياتهم الدنيا، من فقر وفاقة وأسقام وهموم وغير ذلك من شدائد الدنيا.
قوله: (ويلقون فيها تحية وسلاما) أي تبتدرهم الملائكة في الجنة بالتحية والسلام والإكرام والاحترام؛ ليكونوا فيها سعداء آمنين محبورين.
قوله: {خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما} (خالدين) منصوب على الحال
أي مقيمين في الجنة لا يبرحونها ولا
يظعنون عنها ولا يبغون عنها حولا أو بدلا.
قوله: (قل ما يبعؤا بكم ربي لولا دعاؤكم) (يبعؤا) ، يبالي - ما عبأ به؛ أي ما بالى به - وهو من العبء وهو الثقل 64، و (ما) ، نافية - أي لا يبالي الله ولا يكترث بكم لولا عبادتكم إياه - فهم بذلك لولا عبادتهم لله، لم يعتدّ بهم الله البتة، ولم يساووا عنده شيئا - والدعاء، بمعنى العبادة - وقيل: (ما) ، للاستفهام - فيكون المعنى: أي وزن يكون لكم عند ربكم لولا عبادتكم إياه - فأنتم لا تستأهلون شيئا من التكريم لولا عبادتكم.
قوله: (فقد كذبت فسوف يكون لزاما) الخطاب لمشركي قريش؛ أي كذبتم رسولكم الذي جاءكم بالحق وخالفتم ما أمركم به الله على لسان رسوله الأمين وفي آياته البينات - فسوف يكون تكذيبكم هذا هلاكا ملازما لكم في الدنيا والآخرة 65.