فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 2536

على أن إبليس من حيث أصله يعتبر مسألة أثارت بين العلماء خلافا يمكن أن نعرض له هنا في إجمال، فقد ذهبت جمهرة كبيرة من العلماء إلى أن إبليس واحد من الملائكة، وذلك ما يوحي به ظاهر الآية، وعلى هذا يكون الاستثناء هنا متصلا لكن فريقا آخر من العلماء قد ذهبوا إلى أنه لم يكن الملائكة، وأنه من الجن فيكون الاستثناء بذلك منقطعا، أي أن المستثنى - وهو إبليس- ليس من جنس المستثنى منه وهم الملائكة واستدل هؤلاء على ذلك بأن الملك دائم الطاعة والتقوى لله، وأنه لا يعصي له أمرا كلفه به، وفي ذلك يقول سبحانه عن الملائكة (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (وثمة نص قرآني آخر يزجي بالدلالة الواضحة الجلية على أن إبليس ما كان من الملائكة وهو قوله سبحانه: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه (وذلك تبيين لحقيقة إبليس وأنه من حيث أصله كان من الجن وهؤلاء صنف من الخليفة التي لا تشبه الملائكة أو البشر وذلك لتحليقهم أصلا من جنس النار، (وخلق اللجان من مارج من نار (ذلك ما ورد في أصل إبليس وإن كنا نرجح القول الثاني وهو أنه من غير الملائكة والله سبحانه أعلم.

وقوله: (أبى واستكبر وكان من الكافرين (امتنع إبليس من السجود وتولى عن أمر الله مستكبرا بعد أن أغواه إحساسه بالعظمة والكبر، وذلك داء خطير يعصف بالمخلوق ويزين له كل ضروب المعصية والفسق عن أمر الله، الى أن يودي به أخيرا في الهاوية والسقوط في الأذلين ومع الكافرين الذين يجحدون نعمة الله ويعلنون عليه الحرب والتمرد في مجاهرة وتوقح.

قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (ذلك من قصص الله سبحانه وهو أصدق القائلين إذ يبين مناداته لآدم وزوجه أن يسكن وإياها معا في الجنة، أي يقيم وإياها مستأنسين مطمئنين، ثم يأكلا من الجنة رغدا حيث العيش الدائم المستقر الذي لا يخالطه عناء أو قلق أو إيحاش وزوج آدم هي حواء وسميت بذلك - كما قيل- لأنها خلقت مكن حي وهو زوجها آدم، وقد ثبت ذلك في نصوص كثيرة منها: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها (وذلك الذي نستطيع أن نتصوره مستيقنين من غير وقوف على الكيفية التفصيلية لهذا الخلق إلا ما ورد عن خلقها من ضلعه الأيسر، وفوق ذلك من أقوال وتفصيلات لا نستطيع الركون إليها والتحقق من صحتها على التمام، وذلك لظنية المصدر الذي يستند إليه كثير من الناس لدى إيراد مثل هذه الأخبار.

والدعوة لآدم وزوجه أن يأكلا من الجنة رغدا، وليست الجنة - كما يتصور بعض الجاحدين في التفكير من أمثال المعتزلة- في الأرض استنادا إلى ظاهر من بعض النصوص القرآنية، وما هذا التصور إلا مجانبة للصواب الذي اجتمعت عليه الدلائل القاطعة الجلية، فلا تتردد مقال ذرة في التيقن بأن الجنة المذكورة هنا لهي في السماء.

وقوله (رغدا (صفة لمفعول مطلق محذوف، وتقديره أكلا رغدا، 36 والرغد هو السعة والعيش الهانئ المطمئن الذي ليس فيه نصب أو ضيق، نقول راغدا ورغيد أي عائش في خير ولين وسعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت