قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) ذلك مثل يضربه الله للمنافقين والكافرين الذين يظنون أنهم يُحسنون صنعا بفعلهم الخيرات في حياتهم الدنيا - حتى إذا كان يومُ القيامة وجدوا أعمالهم بغير قيمة، وأنها لا تغني عنهم من الله شيئا، ووجدوا أنهم الأخسرون وأنهم يومئذ فرادى ضعفاء لا تنفعهم أموالهم ولا ذريتهم - ويومئذ يكون الخسران الأكبر والعاقبة المردية الوخيمة.
وقيل: إن الآية مثل ضربه الله لمن يحسن العمل في حياته، حتى إنا أفضت به السنون إلى آخر العمل تحوّل مع الخاسرين فبُدلت حسناته سيئات وساء عمله وفسدت سيرته والعياذ بالله وسقط مع الخاسرين والظالمين، ثم فارق الحياة على هذه الحال من الضلال والزيغ، فذلك مثله كالذي يكون له بستان فيه خير الشجر من النخيل والأعناب، تنساح من حوله الأنهار وفيه من الثمرات كل أصنافها، حتى إذا أصابه الكبر وله أولاد صغار ضعفاء، جاءتها ريح عاصف فيها نار فاحترقت، فبات خاسرا لا يلوي على شيء ولا يملك من جنته غير الحسرة واللهف.
وقوله: (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) مثل هذه الأمثال يضربها الله للناس؛ تقريبا لأذهانهم وليستطيعوا الوقوف على معاني الآيات ومقاصدها حتى تكون لهم من ذله عبرة ثم يتفكروا في عظمة الله وفي سلطانه وجلاله 332.
267 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)
قوله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذين إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله وسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب) يخاطب الله عباده المؤمنين أن ينفقوا من جيد ما يملكون من أموال - ويشمل الإنفاق كلا من الزكاة المفروضة وصدقة التطوع، وعلى ذلك فإن مفهوم الآية يستفاد منه العموم.
والمراد بالكسب ما أمكن تحصيله من الأموال مما كان سبيله التجارة أو الإجارة أو الميراث أو غيره من سائر الأرزاق والمكاسب.
أما ما أخرجه الله لعباده من الأرض فإن مدلوله عام يتناول كل ما حوته الأرض، سواء كان نباتا أو ركازا أو معدنا - فذلك كله مما امتن الله به على عباده فأخرجه لهم من الأرض لاستعماله والاستفادة منه في تحصيل مصالحهم.
قوله (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) أي لا تقصدوا المال الرديء من أموالكم لتعطوه للفقراء والمحتاجين، بل عليكم أن تقدموا من أموالكم ما كان جيدا أو وسطا، أما الرديء فلا - فقد روي أن بعض الأنصار كانوا يخرجون من جذاذ نخيلهم قنو الحشف 333 وهو يظن أنه جائز، فنزل فيمن فعل ذلك قوله: (ولا تيمموا الخبيث) 334.
وقوله: (ولستم بآخذين إلا أن تغمضوا فيه) لو قدم إليكم مثل هذا المال الرديء لزهدتم فيه ولما أخذتموه إلا في إغماض، والإغماض يراد به التساهل والتجاوز - وهو أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه.