قوله: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) يرجع الضمير في قوله تصبهم على المنافقين - فهم الذين تهرف ألسنتهم بالسوء ليغمزوا النبي في وقاحة فاجرة بأن الحسنة تصيبهم سببها فضل الله عليهم اما اذا اصابتهم السيئة فسببها شؤم النبي (ص) وأصحابه - والمقصود بالحسنة هنا مجموعة السلامة والأمن والرزق والخير والخصب - ويقصد بالسيئة ما اشتمل على السوء والضراء وذلك كالفقر والمرض والجدب وانحباس المطر وغير ذلك من أنواع الشدة.
وفي قول آخر بأن الضمير في قوله: (تصبهم) يعود على اليهود والمنافقين معا وذلك أنهم لما قدم عليهم النبي (ص) في المدينة مهاجرا قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه - لا جرم أن ما قالوه غاية الباطل والافتراء، بل إنه اجتراء خسيس وجهول ووقح تنحسر عنه قلوب هؤلاء الكاذبين المرضى - ومن بدهيات القضايا الكونية في هذا الوجود أن النبي الكريم محمدا (ص) كان وما زال بشخصه وطبعه وسيرته وذكراه مثار خير وبركة وراحة تنهمر في نفوس المؤمنين انهمارا - فما يتصور الإنسان روعة الشمائل والسجايا وكريم الطبع والخصال في شخصية النبي الكريم حتى يغمره الحبور والدهش وينشر في أغواره فيض الإعجاب البالغ بهذا الإنسان المتميز الفذ.
أما مقالة هؤلاء الظالمين الضالين عن الرسول (ص) فإنها غاية في التخريص الظالم والافتراء المهين - قالوا: إنهم إذا أصابهم خير مثل الرزق والرخاء العطاء فهو من عند الله ومن فضله وتقديره - وإذا أصابهم السوء مثل المرض والخوف والقحط قالوا:"هذه من عندك"أي بشؤمك الذي أصابنا بسببك وذلك على جهة التطيّر.
وقوله: (قل كل من عند الله) وتلك قاعدة أساسية للتصوّر الإسلامي الصحيح في مثل هذه المسألة - كل شيء من عند الله بما في ذلك الحسنة والسيئة على نحو ما بينا، وفي ذلك المعنى شيء من الإجمال الذي يقتضي البيان والتفصيل وهو آت في الآية التي تلي هذه.
قوله: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) أي كيف لا يعلم هؤلاء أن الله هو الباسط والقابض والرازق؟ وكل ذلك إنما يصدر عن حكمة وتقدير - ذلك تنديد بهؤلاء الفسّاق الذين قالوا مقالة السوء ونسبوا الشؤم للنبي (ص) وأصحابه - إنه تنديد تتسفّه به أحلام هؤلاء الفسّاق ليوصموا بفرط الغباوة والجهل - ولا جرم أن يكون ذلك قرين المجرمين الفاسدين الذين يفترون على النبي وأصحابه بأفدح فرية.
وقوله: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ذلك تبيين مفصّل لقوله سبحانه: (قل كل من عند الله) وإيضاح لما فيه من إجمال - فإن ما يصيب الناس من خير عميم كالرزق والخصب والنصر كل ذلك بفضل من الله ومنّة - لكن ما يصيبهم من بلاء وكروب وشدائد فذلك من أنفسهم، أي بسبب معاصيهم وما اقترفوه من آثام ومحظورات - والله سبحانه يبتلي عباده بضروب من البلاء جزاء ما اكتسبوا من أخطاء، وذلك على سبيل الجزاء الذي تتكفّر به السيئات - وفي الحديث الشريف:"لا يصيب رجلا خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر".
وفي حديث آخر عنه (ص) :"والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همّ ولا حزن ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله عنه بها من خطاياه".