يحذر الله الكافرين شديد بطشه وانتقامه وأن يحل بهم من العذاب ما حل بالظالمين من قبلهم - والمعنى: ألم يسر هؤلاء المشركون المكذبون في أرض الكافرين الغابرين الذين سبقوهم كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم لكي يتعظوا ويعتبروا {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أي فينظروا ما حل بالذين كفروا من قبلهم من العقاب، فإن آثار العقاب والتدمير في ديارهم باقية ومنظورة - ثم بين الله ما حل بأولئك فقال: {دمر الله عليهم} أي أهلكهم الله ودمر عليهم منازلهم تدميرا واستأصلهم بقطع دابرهم {وللكافرين أمثالها} ذلك وعيد من الله لهؤلاء المشركين وهم كفار مكة - فقد توعدهم الله بمثل ما حل بالكافرين السابقين من البلاء إن لم يؤمنوا.
قوله: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} أي فعلنا بالمؤمنين ذلك النصر والتثبيت، لأن الله ناصرهم ومؤيدهم وكذلك فعلنا بأولئك الكافرين من الاستئصال والتدمير، لأن الله خاذلهم، ولأنهم لا ينصرهم من الله أحد - وقيل: نزلت يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم في الشعب إذ صاح المشركون: يوم بيوم بدر، لنا العزى ولا عزى لكم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"قولوا الله مولانا ولا مولى لكم".
قوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} ذلك وعد من الله لعباده المؤمنين الذين يطيعون ربهم فيأتمرون بأوامره ويلتزمون شرعه وأحكام دينه، أن يجزيهم خير الجزاء وهي الجنة بخيراتها وبركاتها وأنهارها السائحة المناسبة تحت قصورها ومن بين أشجارها.
قوله: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام} الكافرون لا همة لهم ولا بغية إلا اللذات والشهوات والاستمتاع بالطيبات وجمع الأموال والثروات بعضها فوق بعض، فهم لا يعبأون بغير الحياة الدنيا وزينتها وأثاثها ورياشها وإطالة المقام فيها، فهم بذلك لاهون تمام اللهو عما وراء ذلك من حساب يوم القيامة حيث الأهوال والأفزاع وعظائم الأمور - وشأن الكافرين في ذلك كله شأن الأنعام التي لا تعي ولا تعقل، فهي إنما يهمها الأكل والشرب والاعتلاف والنزو - وبقدر ما يتزود المؤمنون من زاد العقيدة والتقوى والإعداد ليوم الحساب، فإن الكافرين لا تنشغل قلوبهم وعقولهم إلا في لذة البطون والفروج والاستمتاع بكثرة الأموال المركومة، والمباني المنيفة، والمراكب الفارهة الفاخرة - فمثلهم في ذلك مثل الأنعام التي تأكل وتشرب وترتع حتى تساق إلى الذبح أو الهلاك - وكذا الكافرون يأكلون ويتمتعون حتى يصيرون إلى حطام القبور.