والكاف، في اسم الإشارة {كذلك} في موضع نصب صفة لمصدر محذوف؛ أي مثل ذلك الإيحاء الذي أوحي إلى سائر النبيين من الكتب السماوية يوحى إليك في هذه السورة - أو مثل ذلك الوحي، أو القرآن يوحي إليك وإلى الرسل من قبلك {اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} على أن قوله: {يُوحى} يقرأ بكسر الحاء - ولفظ الجلالة {الله} مرفوع على أنه فاعل 1 - والمعنى: ما تتضمنه هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور، وأوحى مثله إلى الرسل من قبلك - و {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، صفتان لله عز وجل؛ فهو سبحانه القوي القاهر، منيع الجناب، وهو سبحانه ذو الحكمة البالغة في أقواله وأفعاله وتدابيره.
قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} الله الذي بيده ملكوت كل شيء؛
فهو مالك السماوات والأرض وهن جميعا تحت قهره وقدرته
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} الله سبحانه عالي الشأن، رفيع الدرجات، وله العظمة والكبرياء.
قوله: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} {يَتَفَطَّرْنَ} أي يتشققن، من الانفطار وهو الانشقاق - أو من الفطر، وهو الشق - وتفطّر بمعنى تشقق 2 والمعنى: أن السماوات والأرض يَكَدْنَ يتشققن من علوّ شأن الله وبالغ عظمته - وقيل: تكاد كل سماء تتفطر فوق التي تليها من فظاعة قول المشركين: {اتخذ الله ولدا} وقيل: يتشققن من ثقل الملائكة عليها - وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد"وأطّت، بالتشديد أطًّا وأطيطا؛ أي صوَّتت قالوا: شجاني أطيط الركاب - وأطّ البطن أي صوَّت من الجوع، أو من شرب الماء عند الامتلاء - وأطَّ الظهر، أي صوَّت من ثقل الحمل - وأطَّت الإبل: أنَّت من تعب أو ثقل حمل 3.
ولئن قيل: لم قال: من فوقهن؛ فإنه يُجاب بأن أعظم الآيات وأدلها على جلال الله وعظمته، فوق السماوات، وهي العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتَجَّة بالذكر والتسبيح والتقديس من حول العرش - فلذلك قال: {يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} كذلك قال الزمخشري في الكشاف.
قوله: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} الملائكة عاكفون على التسبيح لا يفترون - وتسبيح الله يراد به تنزيهه عما لا ينبغي لجلاله من النقائص والعيوب - وهم كذلك يحمدون الله على الدوام لا يسأمون - وذلك من التحميد، وهو عبارة عن وصف الله بأنه المحمود الذي ينبغي له دوام الشكر والثناء والتمجيد؛ فهو سبحانه المتفضل المنَّان بكل الخيرات والبركات والنعم.
قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} الملائكة عباد الله مكرمون، وهم أطهار أبرار، مخلوقون من نور، فهم بذلك مجبولون على الخير والبرّ والطهر والتقوى، وهم من دأبهم الاستغفار للذين في الأرض من المؤمنين، يسألون الله لهم التوبة والمغفرة والتجاوز عن سيئاتهم وذنوبهم، والله جلت قدرته أكرم الأكرمين؛ فهو غفار للذنوب والخطايا، قابل للتوب من عباده المنيبين المستغفرين {أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الله غفّار للذنوب جميعا، وهو سبحانه رحيم بعباده فلا يعاجلهم، بالعقاب قبل التوبة، ولا يعاقبهم بعد أن يتوبوا.