وثمة قول بأن هذه الآية فيها دليل النسخ وأن النسخ نفسه واقع هنا، وصورته أن الله قد أمرهم أولا أن يذبحوا بقرة من البقر من غير تحديد بصفة معينة، فلما وصفها بعد ذلك كان نسخا يؤثر في الحكم وهو الطلب دون تقييد، ولا نرى مثل هذا الرأي فإنه لا يلزم مما سبق أن يعتبر ذلك نسخا - ولكن ذلك مجرد توضيح يكشف عن معاني أخرى جديدة ترد على نحو من الوصف أو التبيين، فلئن كان النص في الآية الأولى مطلقا بغير تقييد فهو في الأخرى مقيد بالوصف ولا يلزم من ذلك النسخ بل التقييد.
وقوله: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها (عادوا بنو إسرائيل الطلب من موسى ليبين لهم ربهم ما لون البقرة، وذلك امتداد آخر في المساءلة الفارغة الفجة التي ترد بغير تواضع ولا استحياء.
فبين الله لهم أنها صفراء فاقع لونها، ولا داعي للتأويل في معنى الصفرة أو في موضعها من البقر فخير في مثل هذا الحال أن يؤخذ بالظاهر لندرك أن الصفرة أو في موضعها الأصفر المعروف ولا نحمل في ذلك تكلفا، وكذلك فإن جسد البقرة كله أو غالبه كان يغمره اللون الأصفر، أما الفاقع من اللون الأصفر فهو الشديد الصفرة، وهو من الفقوع والمقصود بالفاقع من لونها الأصفر أن لونها خالص الصفرة لا يخالطه لون آخر - 59
وقوله: (تسر الناظرين (أي أن الناظر إليها يعجب بها لمنظرها، وذلك من حيث اللون والسمت.
وقوله: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا (وذلك هو السؤال الرابع من يهود لنبيهم موسى إذ سألوه ليدعو ربه فيبين لهم ما هذه البقرة محتجين بأن البقر يشبه بعضه بعضا مما يلبس عليهم ما يريدونه.
لقد كان يهود في غنى عن كل هذه المساءلات التي تنم على التكلف الممجوج وتنم على طبع يستمرئ الموارية وطول الجدل، إنه الطبع المتلجلج الملتوي الذي يضيق بالاستقامة واليسر والوضوح، ولا يرضى بغير التكلف والتعسير أسلوبا ومنهاج حياة - لقد كانوا في غنى عن مثل هذه الثرثرة والاكثار من السؤال لو أنهم امتثلوا أمر ربهم وأنابوا إليه مبادرين فجاءوا ببقرة أية بقرة فذبحوها وكفى.
وقوله: (وإنا إن شاء الله لمهتدون (وهذه بادرة خير تحتسب لبني إسرائيل إذ سألوا نبيهم للمرة الرابعة فمضوا لينفذوا ما أمروا به فاستثنوا قائلين: (وإنا إن شاء الله لمهتدون (وفي ذلك صورة من الإنابة والذكرى التي ينبغي أن تقال في مثل هذا الموقف وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا الصدد، لو ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدا.