فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 2536

وقوله: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) الله سبحانه وتعالى يعاقب الناس، ويلزمهم بما حلفوا من أيمان على أشياء وهو يعلمون أنهم كاذبون - فقوله: (كسبت) أي تعمدت، والمراد: الحلف على كذب وباطل أي يحلف الرجل على شيء وهو يعلم أنه كاذب - فذاك الذي يؤاخذ به.

وقوله: (والله غفور حليم) هذا التعقيب الكريم جاء مناسبا لعدم مؤاخذة الله للعباد على ما تنطق به ألسنتهم دائما من اللغو في الإيمان - وهي أيمان لا تكاد تبرح الألسن؛ لكثرة ما تدور وتتردد في كل حين وفي كل مجال ومناسبة، في التعامل والتمازح والجد والسمر وغير ذلك من مجالات - ولو كانت هذه الأيمان تحتمل مؤاخذة لكان الأمر بالنسبة للحالفين عسيرا وخطيرا، لكن الله بواسع مغفرته وحلمه قد تجاوز للعباد عن تلك الأيمان.

قوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربع أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) - يؤولن: يحلفون - المصدر للكلمة إيلاء وفعله آلى يؤلي، أي حلف يحلف، والإيلاء هو الحلف - وعادة الإيلاء كانت منتشرة لدى العرب، وهو أن يحلف الزوج ألا يجامع امرأته، يبتغي إغاظتها والإضرار بها، وربما طالت قطيعته لها تمتد إلى سنة أو أكثر - وذلك فيه من الإهانة للمرأة والإساءة لها والإضرار بها ما هو عظيم لا يطاق، لكن هذه الآية الكريمة قد وضعت حدا لتلك السفاهات والحماقات الظالمة مما أزاح عن كاهل المرأة عبئا من المهانة والإهمال والأذية - وذلك أن الزوج ليس له في ظل الإسلام مطلق الحرية في تكييف الإيلاء مثلما يسول له مزاجه المتعجرف أو هواه الجانف الغاضب، بل عليه أن يختار أحد أمرين: فإما أن يفيء إلى زوجته ويراجعها، وإما أن يطلقها لتمضي في سبيلها وذلك إذا بلغ الهجران لها أربعة أشهر في كلتا الحالتين - وتفصيل ذلك أن الرجل إذا حلف ألا يجامع امرأته مدة من الزمن وكانت هذه المدة دون أربعة أشهر فله أن ينتظر حتى تنقضي هذه المدة ليبر بيمينه ولا يحنث ثم يراجع امرأته بعدها وكأن شيئا لم يكن، أما إن كانت هذه المدة أكبر من أربعة أشهر فإن للزوجة حينئذ أن تطلب من الزوج بعد مرور أربعة أشهر أن يختار أحد اثنين: فإما أن يفيء إليها أي يراجعها ثم يؤدي إليها حقها من الجماع، وإما أن يطلقها فتمضي في سبيلها؛ كيلا تظل مقهورة معلقة فلا هي زوجة ولا هي مطلقة - وللحاكم في مثل هذه الحال أن يتدخل ليقضي بالحق، ويلزم الزوج بما فرضته الشريعة على الرجل من أحد الخيارين وهما الفيئة والطلاق.

وعلى هذا يكون معنى الآية: للأزواج الذين يحلفون ألا يجامعوا زوجاتهم وكانت المدة المحلوف عليها تزيد عن أربعة أشهر، أن ينتظروا حتى انقضاء هذه المدة وعليهم بعدها أن يختاروا الفيئة (الرجوع والجماع) أو الطلاق - إلا إذا كانت المدة المحلوف عليها دون أربعة أشهر، فعليهم حينئذ أن ينتظروا حتى مرور هذه المدة.

وفي قوله: (وإن عزموا الطلاق) ما يدل على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر بل لا بد لوقوعه بعد مرور هذه المدة من تطليق يوقعه الرجل أو يوقعه عليه القاضي - وذلك الذي عليه فريق من العلماء.

وذهب آخرون إلى أنه بمجرد مرور أربعة أشهر تقع تطليقة واحدة رجعية - وقيل بل طلقة بائنة.

أما التعقيب الكريم على الآية الأولى (فإن الله غفور رحيم) أي يتجاوز عن إساءة الأزواج في تعجلهم بالإيلاء بما قد يؤذي الزوجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت