فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 2536

وهذه جريمة بشعة تضاف الى عداد الجرائم التي قارفها بنو إسرائيل وهي قتلهم النبيين بغير حق، ولا ينبغي أن يؤخذ بالمفهوم المخالف هنا ليظن خطأ أن النبيين يمكن أن يقتلوا بالحق، وذلك فهم فاسد لا يستقيم، فإن قوله: (بغير الحق) لهو مجرد وصف لجريمة اليهود وهي أنهم كانوا يقتلونهم ظلما وعدوانا، ولا يعني ذلك أنهم يجوز قتلهم إن أخطأوا فهم أصلا معصومون عن الخطايا كافة في قول أكثر أهل العلم.

ومن المعلوم أن قتل الإنسان، المؤمن لهو من كبريات الكبائر التي تورد المقترف الجاني مور جهنم، فكيف بالقتيل إذا كان نبيا من النبيين الأطهار الذين قدسهم الله وعصمهم عصمة تحول بينهم وبين الخطايا والآثام؟ فلعمر الحق إن جريمة بني إسرائيل فظيعة مريعة ترجف لهولها وبشاعتها القلوب والأبدان، خصوصا إذا وقفنا على بعض أخبار تذهب الى أنهم كانوا يقتلون النبيين بالجملة كل يوم، حتى إنهم كانوا يبلغون بضع عشرات يقتلون مرة واحدة، فيا لهول الجريمة، وا لفداحة العدوان النكير الذي تهتز لشدته السماوات والأرض.

وقوله: (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (ذلك اسم إشارة وهو تأكيد للمشار إليه مرة أخرى وهو علة ضرب الذلة والمسكنة عليهم ثم بوؤهم بالغضب من الله، كل ذلك كان علته عصيانهم وعدوانهم(ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) .

قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يبين الله في هذه الآية أن العبرة في الإيمان الصحيح الصادق وليس في الأشكال والمظاهر، وحقيقة الإيمان المقصود الذي يكون عليه التعويل إنما هو في اليقين بالله وباليوم الآخر، وتلكان حقيقتان تأتيان في طليعة الكبريات اليقينية التي تقوم عليها عقيدة الإسلام، ثم يأتي من بعد ذلك العمل الصالح المشروع، ومن دون ذلك كله لا تكون للإيمان أية قيمة إلا التثبت بالكلام المتحذلق والجدال الذي لا يغني.

يقول سبحانه: إن المؤمنين الصادقين الذين يرضى عنهم ربهم فيجزيهم خير الجزاء هم الصفوة المؤمنة في كل ذات كتاب أو ملة، سواء في ذلك أمة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام، أو أمة كل من اليهود والنصارى والصابئين، إن الصفوة المؤمنة من كل هاتيك الأمم هي التي لها الحظ الأوفى والتي عليها المعول بغير اعتبار للاسم أو الشكل أو المظهر.

أما الذين آمنوا فهم الذين يصدقون نبوة الرسول محمد عليه السلام، والذين هادوا هم اليهود، وسبب التسمية بقوله: (هادوا) قيل فيه ثلاثة آراء، أحدها: أن هادوا فعل ماض والمضارع يهود بمعنى ثاب يثوب ومنه قوله تعالى: (إنا هدنا إليك) أي تبنا ورجعنا.

والرأي الثاني: أن الاسم نسبة إلى يهوذا وهو الابن الأكبر ليعقوب عليه السلام أبي اليهود، والرأي الثالث: أن هادوا من الهوادة وهي اللين والرقة، لكنني أرجح الرأي الأول القائل بأن هادوا نسبة الى يهوذا الابن الأكبر، لأن الرأيين الآخرين أساسهما الاشتقاق في العربية مع أن بني إسرائيل ما كانوا يتكلمون العربية في زمانهم بل كانوا ينطقون بلغة التوراة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت