قوله: (فإن لكم ما سألتم) ذلك قرار من الله بإعطائهم ما طلبوا من خسيس الطعام، وهكذا قد امتن الله على بني إسرائيل بإعطائهم ما سألوا لكنهم بطروا ذلك كله، وآلوا إلا أن يظلموا مدبرين لا يلوون على شيء من التورع أو الامتثال أو الشكران - فما عادوا بعد ذلك ليستأهلوا شيئا من الإعفاء أو التكريم إلا المهانة والهوان والتشتيت في الأرض شذر مذر، ومن أجل ذلك قال سبحانه: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله) .
وهذه كلمة الله التي تحمل القرار الرباني الحاسم، وهو قرار إلهي مقدور لا يقبل التعقيب، جاء ليعلن للأرض أن هؤلاء القوم قد ضرب الله عليهم الضعف والهوان ليسيروا في الأرض غير أعزاء ولا كرماء ولتحيط بهم غواشي المسكنة، والمسكنة من السكون وهو ذهاب الحركة، ومنه المسكين سمي بذلك لقلة حركته وسكونه الى الناس، ومنه الفعل استكاتن أي خضع وذل.
قد ضرب الله الذل والهوان على بني إسرائيل ليكون ذلك ديدنا لهم يتوارثونه كابرا عن كابر ليحيوا حياة الاستكانة والتدسس، والخور، وليكونوا أبد الدهر في شق المنافقين والأشرار من الناس، وليكونوا في طليعة الذين يتآمرون على البشرية في أروع ما تملك من عقائد وقيم، وذلك لكي تتبدد هذه المبادئ والقيم فتستحيل البشرية إلى ركام من الخلائق الضالة الممسوخة، ولتغيب عن وجه الأرض شمس الخير فتستطير بعد ذلك أصوات الشر والباطل والفساد.
ولئن تحقق لبني إسرائيل على مدار الزمن بعض الظهور والتسلط، فإن ذلك لا يحمل أية منافاة لقرار الله بضرب الذلة والمسكنة عليهم، ولكن مثل هذا الظهور أو التسلط ليس إلا انعطافا عابرا من مستثنيات الأحداث الشاذة التي يطويها التاريخ في مسيرته الطويلة أو هو مجرد التواء عارض مقدور، ربما يؤثر في عجلة الزمن الدائر بعض التأثير، وهو تأثير يحسب في عداد القضايا النادرة المستثناة التي تند من قواعد الأشياء الأساسية ندا والتي تطفو على سطح الأحداث لتمر بغير وزن أو حساب، ثم تبوء الحياة بعد ذلك الى سابق عهدها في الأصالة الثابتة والاستقرار الدائم.
وقوله: (وباءوا بغضب من الله) باء بمعنى رجع من البوء وهو الرجوع ومنه المباءة بمعنى أقر واعترف، نقول: باء الحق أو الشيء معناه أقر به وألزم نفسه به، 51 وهكذا باء بنو إسرائيل بغضب من الله أي رجعوا وانقلبوا يحملون على كواهلهم وجباههم غضبا من الله، والغضب هو شدة المقت، نعوذ بالله عوذا يجنينا مقت الله وغضبه، ويباعد بيننا وبين أن نبوء بالآثام والمعاصي.
قوله: (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق) وذلك تعليل لضرب الذلة والمسكنة عليهم ولبوؤهم بغضب الله، فقد حق ذلك العذاب كله عليهم بسبب ما اقترفوه من جرائم شنيعة نكراء، منها كفرهم بآيات الله، وآياته تشمل كتابه المنزل عليهم من السماء، لهدايتهم وصلاحهم وتشمل كذلك المعجزات التي أوتيها النبيون لتكون لهم علامات واضحة تشهد على نبوتهم وصدق ما يقولون.
ومنها كذلك قتلهم النبيين، ومفردها النبي وهو من الفعل نبأ وأنبأ أي أخبر، والنبأ هو الخبر، ومنه النبوة وأصلها النبوءة ومعناها الإخبار عن الغيب من طريق الوحي، وقيل نبأ الشيء نبوء بمعنى ارتفع فكأن المقصود بالنبوة السمو والارتفاع - 52