قوله: {إن هو إلا وحي يوحى} أي ما هذا القرآن إلا وحي يوحى إليه من ربه - فالله جل وعلا يوحي بالقرآن إلى جبريل ثم يوحى جبريل به إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول للناس إلا ما أمره الله به فيقوله لهم كاملا دون نقص أو زيادة.
ويستفاد من الآية أن السنة من جملة الوحي الذي أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم - فهي وحي من الوحي، وذلك من حيث المضمون والمعنى - أما النظم والمبنى فهو من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف أنواعها يجب العمل بها والتزام أحكامها كالقرآن - ومما يؤيد هذه الحقيقة ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه - فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق".
قوله: {علمه شديد القوى} المراد بشديد القوى جبريل (عليه السلام) فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن - وقد وصفه ربه بأنه {ذو مرة فاستوى} .
6 - (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى)
قوله: {ذو مرة فاستوى} ذو مرة أي ذو قوة - وقيل: ذو منظر حسن - والأول أولى بالصواب، لما ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويّ" {فاستوى} أي ارتفع واعتدل.
7 - (وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى)
قوله: {وهو بالأفق الأعلى} أي جبريل فقد ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن - وقيل {فاستوى} أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض - ومرة في السماء - فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى - وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق فسدّ الأرض إلى المغرب - فخرّ النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره وجعل يمسح الغبار عن وجهه - فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة".
وأما في السماء فعند سدرة المنتهى - ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه مسلم.
قوله: {وهو بالأفق الأعلى} أي استوى جبريل بالأفق الأعلى وهو مطلع الشمس على صورته الحقيقة المريعة - فقد كان جبريل يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم في كل مرة في صورة إنسان - فأحب النبي أن يراه على صورته الحقيقية فاستوى جبريل في الأفق الأعلى فملأ مطلع الشمس أو سده.
8 - (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)
قوله: {ثم دنا فتدلى} أي دنا جبريل من الأرض بعد استوائه بالأفق الأعلى"فتدلى"أي نزل من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض بالوحي.
9 - (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)
قوله: {فكان قاب قوسين أو أدنى} أي فكان جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم لما هبط عليه إلى الأرض على قدر قوسين عربيتين، أو أقرب من ذلك.
قوله: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} أي فأوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إلى جبريل - أي أوحى الله إلى جبريل فأوحى به جبريل إلى محمد - والوحي في اللغة معناه الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة والإلهام والكلام الخفي - وأوحى إليه أي بعثه وألهمه 4 والمراد بالوحي إلقاء الشيء بسرعة كالإشارة.