قوله: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} الله المبدئ المعيد - وهو بقدرته المطلقة يبعث الخلائق بعد الموت ليلاقوا الجزاء والحساب.
قوله: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} الله الذي أرجو أن يتجاوز لي عن خطاياي {يَوْمَ الدِّينِ} أي يوم الجزاء - فإبراهيم وإن كان يعلم أنه معصوم من الذنوب وأنه مغفور له، فقد قال ذلك على سبيل الإقرار المطلق بكامل العبودية وبتمام الخضوع والتذلل لله رب العالمين 19.
قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .
دعا إبراهيم ربه دعاء المنيب المتذلل - ودعاؤه جامع شامل يفيض بالإخلاص والزهد وطهر النفس - إذ قال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} سأل إبراهيم ربه أن يهبه الحكم وهو العلم والحكمة - وقيل: المعرفة بحدود الله وأحكامه - وأن يلحقه في علو الدرجة والمنزلة بالنبيين من قبله - قوله: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ}
{وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} {لِسَانَ صِدْقٍ} ، أي ثناء حسنا.
فقد سأل إبراهيم ربه الثناء وخلد المكان - وقد أجاب الله دعاءه فكل أمة من أهل الديانات السماوية تعظمه وتجله إجلالا، وهي مشدودة إليه بحسن المودة وجليل الرباط - وعلى هذا لا بأس أن يحب المرء الثناء عليه بصالح الذكر إذا قصد بذلك وجه الله تعالى، وليس مجرد الثناء والذكر أو حبا في الشهرة والظهور.
قال ابن العربي في أحكام القرآن: قال المحققون من شيوخ الزهد: في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يُكسب الثناء الحسن - وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم علمه، أو ولد صالح يدعو له".
وقيل: سأل ربه أن يجعل من ولده من يقوم بالحق من بعده إلى يوم الدين فقُبلت الدعوة ولم تزل النبوة فيهم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين والمرسلين.
85 - (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ)
قوله: {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} سأل الله أن يمن عليه بالسعادة في الآخرة وهي الجنة - وفي ذلك رد لمقالة من يدعو: لا أسأل جنة ولا نارا - بل ندعو الله إلحاحا ونحن نسأله جل جلاله النجاة من النار، والفوز بجنة النعيم في زمرة المؤمنين العاملين المتقين.
86 - (وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ)
قوله: {وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} سأل إبراهيم ربه أن يصفح لأبيه، إذ كان ضالا مشركا - وكان إبراهيم قد وعده أبوه أن يؤمن برسالته ودينه فاستغفر له - فلما استبان لإبراهيم أن أباه عدو لله وأنه لم يؤمن تبرأ منه.