فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 2536

قوله: (فرحين بما آتاهم الله من فضله) (فرحين) منصوب على الحال - أن الشهداء تغشاهم بهجة من إشراق الأنوار الربانية يكونون بها في غاية من الفرح الغامر لما فازوا بالشهادة وما سيق لهم بمقتضاها من الكرامة والتفضيل والتنعم برزق الله.

قوله: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلقهم) أي يسرون بالبشارة بلحوق إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا ليشركوهم فيما أعطاهم الله من ثواب ونعيم - وقوله: (من خلفهم) أي الذين بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم بالاستشهاد.

قال السدي في هذا الصدد: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا - ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغبائهم إذ قدم.

وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة - فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير - فأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة - وأخبرهم أي ربهم أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا بذلك.

وقد ثبت في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم - قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع"أن بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"271.

قوله: (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي أن هؤلاء الشهداء مستبشرون بإخوانهم، فرحون أنهم إذ صاروا مثلهم شهداء فإنهم: (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي لا خوف عليهم من عقاب الله فهم آمنونا مطمئنون ولا يحزنون على ما خلفوا وراءهم من أسباب الدنيا؛ إذا لا يمسهم في ذلك أيما حزن على فراق الحياة وما فيها.

قوله: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) وهذا التكرير في الاستبشار الأول - فالاستبشار الأول كان بلحوق إخوانهم بهم في الشهادة وبمنجاتهم من الخوف والحزن - والثاني بنعمة الله وفضله - والنعمة يراد بها الجنة - والفضل داخل فيها - وعلى هذا فإن الله تعالى يبين أن هؤلاء الشهداء قد استبشروا مرتين:

الأولى: استبشارهم بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم.

والثانية: استبشارهم بأحوال أنفسهم خاصة.

وثمة تفصيل يتعلق بأحكام الشهيد نبينه في اقتضاب فنقول:

إن الشهيد لا يغسل إذا قتل في المعترك وهو يواجه العدو - وهذا قول الجمهور - لما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بقتلى أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصل عليهم - أما الشهيد غير قتيل المعترك فإنه يغسل - وهو قول الحنفية والشافعية والمالكية وآخرين - فقد ذهب هؤلاء جميعهم إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة - أما من قتل مظلوما كقتيل الخوارج واللصوص وقطاع الطريق وشبه ذلك فإنه يغسل في قول المالكية والشافعية، خلافا للحنفية إذ قالوا: كل من قتل مظلوما لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد.

أما إذا حمل الشهيد حيا ولم يمت في المعترك وعاش وأكل فإنه يصلى عليه كما صنع بعمر رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت