فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 2536

أما قصة ابني آدم فنبينها هنا بإيجاز واقتضاب مما ذكره كثير من أهل العلم وفيهم ابن عباس وابن مسعود وهي أن آدم عليه السلام كان لا يولد له مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، وذلك للضرورة إذ ذاك - حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل قابيل - وكان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب ضرع وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل - وقد طلب هابيل أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه - وقال: هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى - فقال لهما: قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها - فقرب هابيل جذعة - وقيل: كبشا وقرب حزمة سنبل - فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وكان ذلك إيذانا بالقبول فغضب قابيل وقال: لأقتلنك فأجابه هابيل بما قصه الله علينا.

وقوله: {بالحق} أي اتل عليهم بالصدق تلاوة زبر الأولين من غير لبس في ذلك ولا وهم ولا كذب ولا تبديل.

قوله: {إذ قربا قربانا} ظرف زمان لنبأ - والتقدير أن قصتهم في ذلك الوقت - والقربان، اسم لما يتقرب به إلى الله من نسك أو صدقة.

قوله: {فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} الذي تقبل الله منه قربانه هو هابيل، وذلك لتواضعه وتقواه وامتثاله لشرع الله - والذي لم يتقبل منه هو قابيل، لأنه أبى واستكبر وفسق عن أمر الله وسخط لما أراه أبوه في حكم الحق.

قوله: {لأقتلنك} النون المشددة للتوكيد - وذلك قسم من قابيل الحاسد الذي آلى أن يقتل أخاه المؤمن لفرط ما اعتور قلبه من حسد على قبول القربان من أخيه وعلو شأنه ومنزلته عند الله فضلا عن زواج أخته الحسناء.

قوله: {إنما يتقبل الله من المتقين} قال ذلك جوابا لمقالة أخيه الظالم الحاسد الذي آلى أن يقتله بغيا وحسدا - فرد مقالته بأن قبول الأعمال إنما يكون بناء على التقوى فإن الله لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق - والمتقي المتلبس بالتقوى وهو الذي يجتنب الشرك والمعاصي والآثام.

قوله: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} بسط اليد يعني مدها للبطش وغيره - أي لئن مددت إلي يدك لتقتلني ما أنا بماد يدي لأقتلك - فلا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت في الخطيئة سواء.

قوله: {إني أخاف الله رب العلمين} أي إني أتورع لخوفي من الله أن أفعل مثلما تريد أن تفعل من خطيئة منكرة - لكني أصطبر وأحتسب عند الله إمساكي عن القتال والمدافعة، يذكرنا ورع هابيل وإحجامه عن القتل والمقاتلة ما هو جدير بالمتقين في كل زمان أن يصونوا أنفسهم من السقوط في الفتن التي طالما حاقت بالمسلمين عبر تاريخهم الطويل فعصفت بهم عصفا وأوقعت فيهم الخسائر المريعة في الأنفس فضلا عن القطيعة والتمزق وشتات الكلمة، وفي ذلك روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي"قال: أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني فقال:"كن كابن آدم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت