قوله: {ويوم نحشرهم جميعا} يوم منصوب على أنه مفعول به لفعل تقديره، واذكر - وقيل: تقديره: احذروا 24.
وفي المحشر حيث الكرب والهوان والذل وحيث الضيق والقهر والذعر، تحت الشمس الحارقة اللاهبة الدانية في مثل هذا الموقف الرعيب المذهل يسأل الله الكافرين المكذبين برسالة الإسلام سؤال إفضاح وتوبيخ {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} يعني أين الأنداد الذين كنتم تزعمون أنهم لكم آلهة من دون الله افتراء وكذبا والذين كنتم تهرفون أنهم شفعاء لكم عند الله بزعمكم وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى.
قوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} الفتنة الاختبار والابتلاء - أي لما ابتليناهم بسؤالنا لهم عن شركائهم الذين اتخذوهم من دون الله، ما كان جوابهم إلا قولهم {والله ربنا ما كنا مشركين} وذلك لما رأوا ما تفضل الله به على المؤمنين من تجاوز عن السيئات ومغفرة للذنوب والخطيئات، خلافا للمشركين الذين لا ينالهم الله برحمة منه ومغفرة - فإذا رأوا ذلك أحاط بهم الذعر والاستيئاس، فقالوا فيما بينهم: تعالوا نقسم لربنا على أننا كنا أهل ذنوب وما كنا مشركين - لكنهم أنى لهم أن يخفوا عن أنفسهم وصمة الشرك أو ينجوا من مصيرهم الرهيب المحتوم؟ وأنى لهم أن يستخفوا بأنفسهم عن الله علام الغيوب الذي أنطق فيهم الجلود والأبدان يوم القيامة ليشهدوا عليهم بشركهم وظلمهم وتكذيبهم للإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} المراد بالنظر ما كان بالقلب وليس بالبصر وهو نظر تدبر واعتبار - والله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم، أن اعلم وتبين يا محمد كيف كذب هؤلاء المشركون الضالون على أنفسهم عند لقاء ربهم يوم القيامة - وذلك بقيلهم: {والله ربنا ما كنا مشركين} فقد سلكوا هنالك سلوكهم المعتاد في الكذب والافتراء الذي كانوا عليه في الدنيا، إذ كان الكذب والدجل واختلاق الباطل ديدنا لهم في هذه الدنيا وهم يحاربون الله ورسوله ويعترضون سبيل المؤمنين الذين يدعون إلى الإسلام وهو الحق من ربهم - الحق الذي كتبه الله للبشرية ليكون لها هاديا ومنيرا - ولكن هؤلاء المشركين المكذبين {ضل عنهم ما كانوا يفترون} أي فارقهم وتخلى عنهم ما كانوا يعبدون من دون الله من أنداد وأصنام فلم يغن كل ذلك عنهم يومئذ شيئا 25.
25 - (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)