فهرس الكتاب
قوله: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك) فقد روي أن النبي (ص) خيّر: إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها، وإن شئت جمعناه لك في الآخرة فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة - فنزل قوله: (تبارك الذي إن شاء) الآية - أي تكاثر وتزايد خيرا الذي إن شاء جعل لك خيرا مما قالوه واقترحوه - وهو أن يجعل الله لك من الجنات والقصور ما ليس لمثله نظير - ولكن يؤخره لك إلى يوم القيامة؛ لأنه خير وأنفع لك وأدوم.
والإشارة في قوله: (ذلك) عائدة إلى ما ذكره المشركون من الجنة والكنز في الدنيا.
قوله: (جنات تجري من تحتها الأنهار) (جنات) ، بدل من قوله: (خيرا) أو منصوب بإضمار الفعل أعني، وجملة (تجري من تحتها الأنهار) صفة 4.
قوله: (ويجعل لك قصورا) بإدغام لام (ويجعل) في لام (لك) وهو معطوف على محل الجزاء - والتقدير: إن يشأ يجعل.
قوله: (بل كذبوا بالساعة) أي لم يمنعهم من تصديقك والإيمان بدعوتك كونك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، بل منعهم تكذيبهم بقيام الساعة.
وذلك هو السبب الرئيسي في عداوة المشركين وكيدهم للمسلمين - وهو أنهم جاحدون مكذبون بيوم الدين فلا يجدون بعد كفرانهم هذا أيما غضاضة في التمالؤ على المسلمين والكيد لهم وإيذائهم أشد الإيذاء - وبذلك فإن انتفاء الإيمان من قلوب المجرمين جعلهم يرغبون في الكيد للمسلمين ليسوموهم البلاء والتنكيل كلما استطاعوا.
قوله: (واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) ذلك وعيد شديد من الله للمجرمين المكذبين بالساعة، بما أعده وهيأه لهم من عذاب السعير - وهي النار الحارقة المضطرمة، شديدة الاستعار
{إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا} يعني إذا كانت النار من المجرمين بمرأى الناظرين في البعد؛ أي كانت من البعد بقدر ما يرى الرائي سمعوا صوت تغيظها وزفيرها - والمراد صوت غليانها - وقيل: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا لفرط غضبهم عليهم - وذلك يكشف عن فظاعة الهول الذي ينتظر المجرمين يوم القيامة؛
إذ يواجهون النار ليكبكبوا فيها.
قوله: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين) (مكانا) ، منصوب على الظرف و (منها) ، في محل نصب على الحال - و (مقرنين) ، منصوب على الحال أيضا 5.
والمعنى: إذا ألقوا من النار في مكان ضيق، لزيادة تعذيبهم، فإن الكرب مع الضيق، كما أن الراحة مع السعة؛ فالمجرمون تضيق عليهم النار ليزدادوا نكالا وفوق ذلك فإنهم يكونون (مقرنين) أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل فيا لهول المنظر الرعيب الذي ترتعد منه الفرائص، ونحن نتخيل حال المجرمين الفظيعة وهم في الأصفاد والسلاسل مقيدون ليقذفوا في النار.
قوله: (دعوا هنالك ثبورا) (ثبورا) ، مفعول به - أي يقولون: يا ثبوراه 6 أي تعال يا ثبور فهذا أوانك - والثبور معناه الهلاك - وقيل: الويل - والصحيح أن الثبور يجمع الهلاك والويل والعذاب والخسار - فهم يصطرخون في النار وينادون مذعورين آيسين: الهلاك والويل والخسران - وذلك في حالة من اشتداد الكرب واليأس والتنكيل مما لا تتصوره العقول ونسأل الله النجاة والسلامة.