يخبر الله في هذه الآيات عن عظيم فضله وبالغ مَنِّه وكرمه ورحمته بالعباد؛ إذ يعفو عن الذنوب والخطايا ويتجاوز عن سيئات المذنبين ويغفر للنادمين التائبين ما قارفوه من المعاصي والزلات مهما كثرت - ذلكم الله المتفضل الرحيم المنّان - وهو قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} يقبل الله توبة التائبين الذين قارفوا ذنوبا ثم رجعوا إليه نادمين مستغفرين - والتوبة تعني الندم على فعل المعاصي، والعزم على عدم الرجوع إليها {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} العفو، معناه التَّرك والمحو - عفا عن ذنبه أي تركه ولم يعاقبه عليه - عفا الله عنك أي محا ذنوبك - وعفوت عن الحق أي أسقطته - عافاه الله أي محا عنه الأسقام - 27
قوله: {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} الله عليم بكل ما يفعله العباد أو يقولونه من خير أو شر - وهو جل وعلا لا يعزب عن علمه أيُّما خبر من قول أو فعل أو خَبْءٍ مستور.
قوله: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} {الذين} في موضع نصب على أنه مفعول يستجيب؛ أي ويستجيب الله للذين آمنوا؛ أي يجيب لهم 28.
والمعنى: أن الله يستجيب الدعاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات وقيل: يستجيب لهم الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم ولإخوانهم؛ أي يجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض.
قوله: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} أي يعطيهم الله من حسن الجزاء ما لم يسألوه وقيل: يعطيهم الشفاعة في إخوانهم، وإخوان إخوانهم.
وروي عن عبد الله (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} قال:"الشفاعة لمن وجبت لهم النار، ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا".
قوله: {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} ذلك وعيد من الله للكافرين المكذبين الذين تولوا معرضين عن دين الله وعن منهج الحق، فأولئك لهم عذاب من الله موجع يوم القيامة.
قوله: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} نزلت الآية في قوم من أهل الصِّفَّة تمنوا سعة الدنيا والغنى - قال خباب بن الأرتّ: فينا نزلت هذه الآية - وذلك أنا بطِرْنا إلى أموال قريظة والنضير فتمنيناها، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية 29 {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ} أي لو وسَّع الله على عباده في الرزق فأعطاهم مالا كثيرا {لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} (بغوا) من البغي وهو الظلم والتعدي - وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء 30 والمعنى: لو أن الله وسع على عباده في الرزق فأعطاهم المال الكثير لطغوا وعصوا وتجبروا وتولوا بطِرين أشِرين.
وقيل: لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه لقوله صلى الله عليه وسلم:"لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا"وهذا هو معنى البغي - وقيل: لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا.