فهرس الكتاب

الصفحة 2343 من 2536

وهو قوله سبحانه: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} يعني لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة حسنة في خليل الله إبراهيم فتقتدون به وبالذين آمنوا معه {إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله} قالوا لقومهم الكافرين عبدة الأوثان والطواغيت: لقد تبرأنا منكم ومن عبادتكم الباطلة - ومما تعبدون من الأرباب المصطنعة {كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} أي أنكرنا ما أنتم عليه من الشرك والباطل وجحدنا كفركم وضلالكم، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا بسبب كفركم وجحودكم ومجانبتكم سبيل ربكم وتلبسكم بالضلال والباطل، فنحن أبرياء منكم ومما تعبدون {حتى تؤمنوا بالله وحده} لا موادة بيننا وبينكم حتى تفيئوا إلى عقيدة الحق، عقيدة التوحيد الخالص لله، وعبادته وحده دون غيره من الشركاء والأنداد.

قوله: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} قول، منصوب، لأنه مستثنى من قوله: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم} 5 يعني كانت لكم في إبراهيم، والذين معه من المؤمنين قدوة حسنة في مجانية قومهم الكافرين ومعاداتهم وعدم موالاتهم باسثناء قول إبراهيم لأبيه {لأستغفرن لك} فإنه لا أسوة لكم في مثل هذا الاستغفار فتستغفروا للمشركين، لأن استغفار إبراهيم إنما كان عن موعدة وعدها إياه ثم ما لبث أن تبرأ منه لما استبان له أن أباه عدو لله بكفره - وعلى هذا ليس للمسلمين أن يتأسوا بإبراهيم في الاستغفار لأبيه المشرك.

قوله: {وما أملك لك من الله من شيء} يعني وما أغني عنك من الله شيئا أو ما أدفع عنك شيئا من عذاب الله إن أراد الله أن يعذبك.

قوله: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} وهذا من دعاء إبراهيم وتضرعه وإنابته إلى ربه، إذ قال: {ربنا عليك توكلنا} أي اعتمدنا عليك وفوضنا كل أمورنا إليه {وإليك أنبنا} من الإنابة أي الرجوع - يعني رجعنا إلى جنابك طائعين تائبين منقادين {وإليك المصير} إليك المآب والمرجع يوم القيامة.

قوله: {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} يعني لا تسلطهم علينا فيفتنونا وهو قول ابن عباس - وقيل: لا تظهر الكافرين علينا فيظنوا بذلك أنهم على حق وأنا على باطل {واغفر لنا} أي واستر علينا بعفوك ورحمتك ذنوبنا وسيئاتنا، {إنك انت العزيز الحكيم} إنك أنت القوي القاهر المنتقم ذو البطش الشديد وأنت الحكيم في تدبير أمور خلقك لما فيه خيرهم وصلاحهم.

قوله: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة} كرر ذلك ذلك للتوكيد - أي لقد كان لكم قدوة حسنة في إبراهيم والذين آمنوا معه - وذلك لمن كان يرجو لقاء الله ويرجو النجاة من حسابه وعذابه يوم القيامة وذلك تهييج للمؤمنين كي يتأسوا بخليل الله إبراهيم في مباينته المشركين وفي تركهم وعدم موالاتهم أو موادعتهم.

قوله: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} يعني من يعرض عن الإسلام ولم يقبل النصيحة والموعظة فوالى أعداء الله وصانعهم وألقى إليهم المودة فإن الله غني عنه وعن إيمانه وطاعته - وما يعبأ الله بالخلق لو كفروا كلهم - والله عز وعلا {الحميد} أي المحمود في ذاته وصفاته وآلائه 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت