قوله: (وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى) ، (الكذب) ، مفعول به - (أن لهم الحسنى) ، بدل منه، بدل كل من كل 64؛ أي: مع كل ظلمهم وعصيانهم، فإنهم يكذبون بقولهم: (أن لهم الحسنى) ، أي: الجنة - وهذا غاية الكذب والتقول الظالم؛ إذ يهذون بأن لهم من الله الجنة.
قوله: (لا جرم أن لهم النار) ، (لا جرم) ، أي: حقا، لا بد منه، أن لهؤلاء الظالمين النار بدلا مما زعموه من الحسنى، وهي: الجنة، (وأنهم مفرطون) ، بفتح الراء؛ أي: مضيعون في النار منسيون فيها أبدا، أو مقدمون معجل بهم إليهم - وذلك من أفرطته إلى كذا، أي: قدمته - ومنه قول رسول الله (ص) :"أنا فرطكم على الحوض"، أي: متقدمكم عليه - وكثيرا ما يقال للمتقدم إلى الماء لإصلاح شيء: فارط وفرط - ومفرطون بالتشديد؛ أي: مقصرون، من فرط في كذا، أي: قصر 65.
قوله تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) } .
ذلك قسم من الله يؤكد فيه إرسال النبيين إلى الأمم السابقة لهدايتهم وإرشادهم، لكنهم ضلوا وجحدوا وانقلبوا خاسرين - وفي ذلك الإخبار والقصص ما يسرّي عن قلب الرسول (ص) مما كان يناله من جهالات المشركين وسفاهاتهم؛ إذ كذبوه وآذوه، وتقولوا عليه الأقاويل والافتراءات، مثل الذي فعلوه في النبيين السابقين من العصيان والأذى.
قوله: (فزين لهم الشيطان أعمالهم) ، أغواهم الشيطان بعد أن أضلهم عن دين الله، واجتالهم عن الحق الذي جاءهم به النبيون المرسلون، فزين لهم الباطل بكل صوره، من الشرك والظلم وقبيح الأعمال.
قوله: (فهو وليهم اليوم) ، أي: قرينهم في هذه الدنيا، إذ تولى (الشيطان) إضلالهم بتغريرهم وفتنتهم بكل وجوه الفتنة وضروبها - ولئن أغواهم شيطان الجن بإيحائه ووسوسته؛ فإن شيطان الإنس والبشر لا جرم أن لا يقل اقتدارا على الإضلال والإغواء والتغرير والفتنة.
إن شيطان الإنس من البشر يملك من أساليب الغواية والبراعة في الفتنة ما أضل به الناس طيلة الزمان - وما فتئ الناس يترددون في الغي والضلال والتنكب عن رسالة السماء ودين الله الحق؛ فهم بذلك سادرون في الفسق والمعاصي، جاهرون بارتكاب الخطايا والآثام، مخالفين بذلك كله عن منهج الله الحق؛ منهج الإسلام - وكل ذلك بفعل الشياطين من الداخل والخارج؛ أي من داخل النفس البشرية ومن خارجها؛ فمن الداخل بفتنة الوسواس الخناس من إبليس وجنوده من الجن، الذين يزينون للمرء فعل القبائح والمعاصي والمنكرات، فضلا عن السقوط في الكفران والجحود - أما من الخارج فبما تصطنعه الشياطين البشرية من أساليب كاثرة شتى في التضليل والخداع والغواية، ما بين ترغيب وإغراء بالمال والمنصب وغيرهما من صنوف الشهوات، أو إغواء وترهيب وتخويف وتهديد بالتعذيب، أو الحرمان أو التهجير أو القتل.