فأجابهم موسى (بل ألقوا) أمرهم أن يلقوا ما معهم أولا، حتى يظهر للناس زيفهم وينكشف افتراؤهم وباطلهم وسوء ما يأفكون وأن ما جاءوا به كيد سحرة أشرار (فإذا حبالهم وعصيتهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) ذكر أن السحرة لطخوا حبالهم وعصيهم بالزئبق - وهذه المادة شديدة التمدد بارتفاع الحرارة - فلما ألقيت الحبال والعصي في وهج الشمس الحارقة؛ إذ الحرارة عالية، تمدد الزئبق تمددا ظاهرا، فاضطربت بتمدده الحبال والعصي وتحركت واهتزت حتى خُيل إلى موسى أن الأرض حيات تسعى على بطونها مسرعة - فكل يخيل للناظرين؛ إذ ذاك أن هذه حيات تسعى باختيارها وما كان ذلك إلا زيف ساحرين، وحيلة اصطنعها دجاجلة أفاكون ليخدعوا بها الناس طمعا في الحظوة عند فرعون.
قوله: (فاوجس في نفسه خيفة موسى) (أوجس) ، من الوجس وهو الصوت الخفي - والواجس معناه الهاجس (وأوجس) أي أضمر 25 و (موسى) ، في موضع رفع على أنه فاعل أوجس - و (خيفة) ، منصوب؛ لأنه مفعول للفعل أوجس 26.
لقد أحس موسى في نفسه الخوف مما رآه من الحيات المتخيلة والحية واحدة من كبرى الهوام المؤذية التي تضر الإنسان بلدغها المسموم - والإنسان بفطرته البشرية قد جبل على التهيب من هذا الكائن المؤذي - وعلى هذا يحتمل أن موسى قد خشي هذه الحيات على نفسه - أو أنه خاف أن يفتتن الناس بهذا المنظر العجيب فيذهلوا عما جاءهم به من الحق.
فأوحى الله إليه بما يطمئنه ويذهب عنه الخوف {لا تخف إنك أنت الأعلى} أي لا تخش كيد هؤلاء السحرة وما صنعوه من مكر وحيلة؛
فأنت الغالب المؤيد بتوفيق الله ورعايته وكلاءته وهم المهزومون المخذولون.
(وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) أي اطرح عصاك لتبلع ما صنعوه من حيلة هزيلة محتقرة - وهي اصطناع الحبال والعصي (إنما صنعوا كيد ساحر) الكيد معناه المكر والخدعة - والمعنى: أن الحبال والعصي التي خُيّل للناظرين سعْيها، إنما ذلك مكر ساحر وخداعه مما يصطنعه للناس ليضلهم عن دين الله وعن منهجه الحق.
قوله: (ولا يفلح الساحر حيث أتى) المراد بالساحر جنس السحرة؛ فإنهم لا يفوزون في صنعهم وما فعلوه ولا يظفرون به بما راموه حيثما كانوا - ولا يأتون بخير البتة؛ فهم فريق مهزوم ومخادع من الناس يعيش على التوهيم والغش والاحتيال وبذلك فإن السحر جرم عظيم وإفك مبين؛ فهو والشرك صنوان، وما جزاء الساحر بعد ذلك إلا ضرب عنقه بالسيف، للخبر:"حد الساحر ضربة بالسيف".
قوله: (فألقى السحرة سجدا) بعد ما طرح موسى عصاه فانقلبت حية هائلة وابتلعت كل حبالهم وعصيهم أذهلهم ذلك وغشيهم ما غشيهم من العجب والدهش لما رأوا من المعجزة الكبرى فخروا لله ساجدين غير مترددين ولا متوانين (قالوا آمنا برب هارون وموسى) لقد آمن السحرة إيمانا صادقا مخلصا، لما رأوا من صدق المعجزة اليقينية المذهلة - وذلك هو ديدن الأسوياء من عباد الله، أولي الفطر السليمة غير المعوجة ولا المعطوبة ولا السقيمة؛ فإنهم إذا عاينوا البراهين والدلائل بادروا في الحال، إلى التصديق والإيمان - ولا يتردد أو يخاصم بعد ذلك إلا المبطلون من مرضى الفطرة والنفوس.