قوله: {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} استمتع من الاستمتاع وهو التلذذ والانتفاع 163 والأولياء من الإنس يراد بهم الأتباع من الناس الذين أطاعوا الشياطين وساروا في سبيل الضلال الذي سيقوا إليه بإغواء الشياطين من الجن لهم - وكل فريق من الطرفين قد استمتع بالآخر - فاستمتاع الجن من الإنس أنهم تلذذوا بطاعة الإنس لهم، إذ أطاعوهم فيما دعوهم إليه من الفسق والعصيان والغواية ومخالفة أوامر الله فضلا عن تعظيم الإنس لهم في استعاذتهم بهم - واتخاذهم لهم قادة ورؤساء - وأما انتفاع الإنس من الجن فهو أن الجن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إلى مختلف الأهواء والمنكرات - إلى غير ذلك من وجوه الشهوات الرخيصة التي تهبط لها وتتهاوى أمامهم عزائم الأنذال من الفاسقين والعصاة، أتباع الشيطان في كل زمان.
قوله: {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي بلغنا الموت بعد كل الذي حصل من الاستمتاع والتلذذ بالشهوات والمحظورات وكل وجوه الحرام - وذلك بفعل التزيين والإغراء من الشيطان الذي أضلنا وأغوانا - وقيل: يقولون ذلك يوم القيامة إقرارا بذنوبهم ومعاصيهم بعد أن أطاعوا الشياطين واتبعوا الهوى والشهوات وكذبوا بالرسل والبعث - قالوا ذلك وهم تحيط بهم الأهوال والفظائع واليأس من كل جانب - لقد قالوا مقالتهم وهم في غاية الإحساس بالندامة والحسرة والإياس موقنين أنه لن يجديهم بعد ذلك ندم ولا توبة وأن مصيرهم المحتوم إلى الثبور وعظائم الأمور.
قوله: {قال النار مثوكم خلدين فيها} مثواكم: منزلكم - والمثوى معناه المنزل - ثوى بالمكان، أي أقام فيه 164 ويجوز أن يكون المثوى مصدرا بمعنى الثواء وهو الإقامة - وخالدين، حال النار مكان إقامتكم في حال الخلود 165 وذلك جواب فاصل وقاطع من الله لا معقب له من أحد - وهو أن النار منزلكم ومحل إقامتكم الدائم يوم القيامة، إذ تثوون إليها ثواء اللابثين بغير فراق ولا مبارحة، لا جرم أن النار لهي دار مقام للفاسقين من البشر الذين أضلهم الشيطان ليظلوا فيها يكابدون العذاب بكل ألوانه وصنوفه - نعوذ بالله من ذلك عوذا كبيرا.
قوله: {إلا ما شاء الله} الاستثناء منقطع، فهو ليس من الخلود في النار - والمعنى أنهم خالدون في النار باستثناء المدة التي ما بين مبعثهم من قبورهم ومصيرهم إلى جهنم - أي باستثناء مقدار حشرهم في قبورهم ومقدار لبثهم في الحساب.
قوله: {إن ربك حكيم عليم} الله حكيم في معاقبة هؤلاء الفاسقين المعرضين، أتباع الشياطين - حكيم في تعذيبهم وما لهم من المصير المهين - بل إنه حكيم في كل ما يصدر عنه من أفعال وأحكام - وهو كذلك عليم بما يستحقه هؤلاء العصاة من الجزاء.
قوله: {وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا} نولي، من الموالاة - وهي المتابعة بين الشيء والشيء - نقول: واليت بين كذا وكذا، إذا تابعت بينهما - وعلى هذا، فالمعنى: أننا نتبع بعضهم بعضا - أي أن الله يتبع بعض الظالمين بعضا في النار - وقيل: نولي بمعنى نسلط - أي نسلط بعض الظلمة على بعض - وهذا المعنى ينسحب على سائر الظالمين الذين يظلمون الناس - فما من ظالم إلا يوشك أن يبليه الله بظالم آخر يظلمه - وهذا تهديد من الله لكل ظالم يظلم الناس في دمائهم وأموالهم وأقدارهم وكراماتهم - فإن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر.