قوله: (فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله) إن لم ينته أكلة الربا عن فعلتهم الكبيرة هذه، فإن الله معلن عليهم الحرب ورسوله، وذلك في قوله المتوعد المثير: (فاذنوا بحرب من الله ورسوله) إن هذا التهديد الرباني قارع صارم مزلزل تخفق له القلوب والمشاعر، وتضطرب لهول إيقاعه الجلود والأبدان - لا جرم أن ذلك تهديد بالغ بكشف عن مدى التنديد الذي يثيره الإسلام في وجه الربا وأكلته والداعين إليه: وقوله (ائذنوا) فعل أمر، فاعله واو الجماعة - وذلك من الإيذان وهو الإعلان - وذلك أن الله جل وعلا يتوعد أكلة الربا إن لم يقلعوا ويخضعوا لأمره، فإنه معلن عليهم ورسوله الحرب.
وقد جاء عن ابن عباس في تأويل هذه الآية: إن من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه كان حقا على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه 347 - ذ
وثمة كلام جيد للحسن البصري وابن سيرين فقد قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح.
(وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم) يؤكد الله عز وجل تحذيره من الربا ونهيه عن أخذ الزيادة على رأس المال - فالمسلمون الذين تابوا إلى ربهم وكفوا عن أكل الربا، فإن عليهم أن يظلوا على يقين من العلم أنه لا يحل لهم إلا رؤوس أموالهم - وهي الأموال التي قدموها للمقترضين وذلكم هو الحق - وذلكم هو العدل - وتلكم هي السبيل القويمة التي لا يقع فيها الظلم على أحد من الطرفين، سواء المقروض والمقترض - وذلك يقول سبحانه: (لا تظلمون ولا تُظلمون) وفي الحديث الشريف في هذا الصدد عن الرسول (ص) أنه خطب في حدة الوداع فقال:"ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب".
قوله: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة) (كان) تامة بمعنى حدث - (ذو) فاعل مرفوع بالواو، (عسرة) مضاف إليه - نظرة خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: شأنه أو حاله، فنظرة، وهي الإنظار والعسرة بمعنى الضيق، والميسرة يراد بها اليسر والسعة 348.
بعد أن وقع التنديد بالربا وأكَلته، وبعد النهي المشدد عن الزيادة على رأس المال، فإن الله يندب عباده المؤمنين أن يتراحموا فيما بينهم ليصير الدائن على مدينه إن كان معسرا كليلا فلا يرهقه من أمره عسرا - وذلك على النقيض من حال العرب وفي القرض قبل الإسلام؛ إذ كان الدائن يقول لمدينه: إذا حل وقت الأداء، إما أن تقضي، وأما أن تُربي.
والقرآن يدعو للتراحم والتعاون والفضل أكثر من مجرد الانتظار إلى حال اليسر، فإنه يندب للعفو والتسامح وإسقاط الدين بالكلية - وذلك في قوله سبحانه: (وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون) .
وفي هذا الصدد من العفو وإسقاط الحق عن طيب خاطر يقول الرسول (ص) :"من سره أن يُظلله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه"وفي حديث آخرك"من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة".
وفي حديث آخر عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص) :"من أراد أن تستجاب دعوته وإن تكشف كربته فليفرج عن معسر".
وفي حديث آخر عن رسول الله (ص) قال:"من أنظر معسرا أو وضع عنه قواه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثا، ألا إن عمل النار سهل بسهوة"و الحزن ما غلظ من الأرض - والسهوة الغفلة.