فهرس الكتاب

الصفحة 1175 من 2536

وهذا البيان جاء به الوحي من عند الله لهو أحسن القصص؛ لأنه من نظم الإله الخالق البديع؛ فهو متقن على أتم ما يكون عليه الإتقان، وأحسن ما يكون عليه الأسلوب، وأكمل ما تكون عليه المعاني والعلوم والأخبار، وأروع ما تأتي عليه الصورة والعبارة والكلمات، وهي تحمل للبشرية أجزل المعاني وأنفعها - وذلك في مختلف المواقف والمشاهد والأحوال والملابسات، وفي سائر الأخبار والأحكام والمواعظ - وذلك كله في غاية مثلى من رصانة التعبير، وجرس الحروف، وكمال النظم الباهر المميز.

قوله: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} الباء سببية وما مصدرية؛ أي بسبب إيحائنا 5 - والمنى: أن الله يقص على عباده تحسن القصص بسبب إيحائه هذا القرآن - وهو الكتاب الحكيم الموحي به من عند الله؛ فهو بذلك خير كلام، وأحسنه وأكمل ما عرفت الدنيا من نظم وبيان.

قوله: {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} أن، المخففة - والمضير في {قبله} يعود على الإيحاء؛ أي لم يكن لك علم بهذه القصة ولا طرق سمعك شيء منها.

قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِين َ 4 قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} {إِذْ} ، في موضع نصب بإضمار الفعل (اذكر) وهي تفيد الظرفية الزمانية - و {يُوسُفُ} اسم عبراني وهو ليس عربيا؛ فهو ممنوع من الصرف، فقد رأى يوسف عليه السلام في منامه {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} وقد تكلم المفسرون على تأويل هذا المنام أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته وكانوا أحد عشر رجلا سواه - و {الشمس والقمر} عبارة عن أمه وأبيه - وقيل: تفسير ما رآه يوسف في منامه بعد أربعين سنة - وذلك حين رفع أبويه على العرش وهو سريره، وإخوته بين يديه - وتخصيص الشمس والقمر بالذكر وعدم إدراجها في عموم الكواكب؛ لا ختصاصهما بالشرف - وتقدم ذكر الشمس على القمر لما جرت عليه عادة القرآن في جمع الشمس والقمر، وذلك لكون الشمس أعظم جرما من القمر واسطع نورا وأبعد منه مكانا، والله اعلم.

قوله: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} هذه الجملة {رأيتهم} مكررة لتأكيد وذلك لما طال الفصل بالمفاعيل؛ فهي تأكيد لما تقدم من تحقيق المنام - و {ساجدين} حال منصوب - وقيل: مفعول ثان للفعل {رأيتهم} 6 والمراد بالسجود هنا: ما كان للكرامة، كما سجدت الملائكة لآدم - وقيل: كان السجود في ذلك الوقت سجود تحية بعضهم لبعض.

قوله: {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا} بني، مصغر للشفقة والتحبب - ورؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان في النوم دون اليقظة - {فيكيدوا} ، منصوب بإضمار أن على جواب النهي، وعدي الفعل {فيكيدوا} باللام، مع أنه مما يتعدى بنفسه - والتقدير: فيحتالوا لك بالكيد - وقيل: اللام للعلة - أي فيكيدوا من أجلك - و {كيدا} منصوب على أنه مصدر مؤكد - وقيل: مفعول به؛ أي فيصنعوا لك كيدا 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت