قوله: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار) ذلك وعاء يتضرع به العابدون المخلصون إلى ربهم وهم تغشى قلوبهم الرهبة والخوف من الله، وتحيك بهم ظواهر الخشية من عذاب النار - لا جرم أن من يدخل النار لسوف يبوء بالخزي وهو الافتضاح والإهانة - وليس يومئذ للظالمين، وهم المشركون- من مجير لهم من عذاب الله - وليس لهم من ناصر ينجيهم بشفاعة أو غيرها، ليس لهم إلا النار وبئس القرار.
قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) .
المنادي الذي ذكره الله هنا هو الرسول صلى الله عليه و سلم - وهو قول أكثر المفسرين ويؤيد ذلك من الكتاب مثل قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك) وقوله: (وداعيا إلى الله بإذنه) .
وقيل: المراد به القرآن فليس كل الناس قد سمع الرسول صلى الله عليه و سلم، أما القرآن فقد سمعه كل أحد وفهمه - ودليل ذلك ما أخبره الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) والجملة الفعلية من قول: (ينادي للإيمان) في محل نصب صفة للمنادي - وقوله: (للإيمان) يعني إلى الإيمان.
وتأويل الآية هو: ربنا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو التصديق بك والإقرار بوحدانيتك ونبذ الشرك والشركاء واتباع رسولك الأمين وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه (فآمنا) أي فصدقناه واستجبنا له واتبعناه.
قوله: (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا) الغفر والكفر (بفتح الكاف) بمعنى واحد - وأعيد ذكر الثاني بعد الأول في الآية على سبيل المبالغة والإلحاح في الدعاء، فإن الله يحب العبد اللحاح في الدعاء.
والمعنى: يا ربنا استر علينا خطايانا ومعاصينا ولا تفضحنا بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، بل امحها بفضلك ورحمتك.
قوله: (وتوفنا مع الأبرار) (الأبرار) جمع ومفرده: بار، وبر، بالفتح - والبر بالكسر معناه الخير والفضل والطاعة - ورجل بار، أي صادق أو تقي، وهو خلاف الفاجر - 305 والمعنى: توفنا يا ربنا معدودين في جملة الأبرار كالنبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا - وقيل: توفنا على مثل أعمالهم حتى نكون في درجاتهم يوم القيامة.
قوله: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) ذلك دعاء المؤمنين لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الثواب والكرامة على ألسنة رسله - ففي الكلام حذف وهو لفظ الألسن، كقوله: (واسأل القرية) .
قوله: (ولا تخزنا يوم القيامة) والخزي معناه الذل والمهانة والفضيحة وذلك تضرع من المؤمنين لله العلي القدير أن يدرأ عنهم الخزي يوم القيامة فيبعثهم غير خزايا ولا مفضوحين.
وقوله: (إنك لا تخلف الميعاد) سألوا ربهم وهم يعلمون أنه لا يخلف الميعاد - وكان ذلك منهم على سبيل العبادة والدعاء - فإن الدعاء مستحب، بل إنه مخ العبادة.