وقد ذكر القرطبي رواية في هذا الصدد تؤز القلب والمشاعر أزا، وتقض الوجدان والأعصاب قضا - وتستنفر في النفوس بالغ الأسى والاتياع والأشمئزاز رواية في ظلم المشركين الجاهلين تطير لها القلوب والعقول، وتقشعر لفظاعتها ونكرها النواصي والأبدان، إذ قال: روي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مالك تكون محزونا؟"فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفر الله لي وإن أسلمت! فقال له:"أخبرني عن ذنبك"فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل الناس فخطبوها، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زواج - فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها - فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر - فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبت! أيش 176 تريد أن تفعل بي! فرحمتها - ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي - فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر يا أبت، قتلتني - فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت - فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال:"لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك 177".
قوله: {سفها بغير علم} سفها منصوب على المصدرية لفعل محذوف - وقيل: على الحال - وقيل: على أنه مفعول لأجله - والمعنى أنهم فعلوه من وأد وغيره لجهالتهم وخفة أحلامهم.
قوله: {وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله} المقصود بما رزقهم الله مما حرموه على أنفسهم هي البحائر والسوائب والوصائل والحوامي - فقد حرموا ذلك على أنفسهم اجتراء على الله بالباطل والكذب.
قوله: {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} أي ضاعوا عن صراط الله المستقيم - وهم في الأصل ليسوا من أهل الهداية بل من أهل الضلال 178.
141 - (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه كلوا من ثمره إذا أثمره وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} يقيم الله في ذلك دلائل من الطبيعة والخلق على تقرير حقيقة التوحيد وعلى قدرة الخالق الجليل الذي صنع هذه الخلائق وأشباهها وأبدع فيها طبيعتها وصفاتها من مختلف الطعوم والمذاقات والأكل بما يقطع في يقين كامل علة وجود الله سبحانه وأنه الإله الأحد المتعالي الذي أوجد كل شيء من لا شيء وعلى غير مثال سبق فقال سبحانه: {وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت} الجنات: البساتين.