بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية، وآياتها خمس وأربعون - وهي حافلة بألوان التذكير والتحذير والترهيب - وفيها من مختلف العبر والمواعظ والمشاهد والآيات ما يقرع القلب والوجدان ويزلزل الفرائض والأبدان، ويأتي في طليعة ذلك كله التنبيه إلى أحداث يوم القيامة وما يقع حينئذ من شديد الأهوال والفظائع - لا جرم أن هذه أحداث كونية رهيبة تفوق التصور والحس وهي آتية لا محالة.
إلى غير ذلك من الأخبار والمواعظ التي تضمنتها آيات ربانية فذة يتدفق منها جمال النظم الباهر، وتتقاطر منها روعة الأسلوب العجيب المذهل، إن ذلكم لهو الإعجاز.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ق والقرآن المجيد 1 بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب 2 أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد 3 قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ 4 بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} .
يبين الله في هذه الآيات خفة أحلام المشركين وسرعة نكولهم عن الحق لما جاءهم نبي من أنفسهم يدعوهم إلى توحيد الله ويحذرهم الشرك والتكذيب بيوم الحساب لكنهم مع ذلك لجوا في الكفر والتمرد والتكذيب - وفي ذلك يقول سبحانه: {ق والقرآن المجيد} قيل في تأويل"ق"عدة أقوال ليس لها مستند من دليل مقبول - والأصوب من هذه الأقوال أن هذا الحرف كغيره من حروف الهجاء من فواتح السور، الله أعلم بمراده منها - قوله: {والقرآن المجيد} المجيد: من المجد وهو الكرم، فقد أقسم الله بقرآنه الكريم ذي القدر العظيم، والمنزلة الرفيعة - وجواب القسم محذوف وتقديره: ليبعثن، وقيل: جوابه: لقد علمنا 1.
وقوله: {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي عجب هؤلاء المشركون السفهاء من أن يأتيهم رسول من جنسهم يبلغهم رسالة ربهم ولم يأتهم ملك من الملائكة بهذه الوجيبة {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} عجبوا مما جاءهم به من دعوة للإيمان بالله وحده والإيمان بيوم البعث والنشور والحساب - رأوا مثل هذه الحقائق أمرا يتعجب منه - وقيل: كان عجبهم أن يبعث الله إليهم رسولا من البشر وليس من الملائكة.
قوله: {أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} الهمزة للإستفهام، وجواب إذا مقدر دل عليه الكلام - وتقديره: أنبعث إذا متنا وكنا ترابا 2 والمعنى: أن هؤلاء المشركين المكذبين بيوم القيامة يقولون منكرين مكذبين: أئذا متنا وكنا في التراب نخرة وصرنا حطاما ورفاتا، هل نبعث بعد ذلك لنكون أحياء كما كنا قبل الممات {ذلك رجع بعيد} إن ذلكم بعيد الحصول - أو بعيد عن الأفهام والعقول.
قوله: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي نعلم ما تأكل الأرض من أجساد هؤلاء الجاحدين المكذبين، وإذ تبلى وتتفرق وتتبدد - نعلم إلى أين يصير رفاتهم وذرات أجسادهم {وعندنا كتاب حفيظ} كتابنا يحفظ أسماءهم وعدتهم وأين تفرقت أبدانهم وجسومهم في الأرض - وهو كتاب باق لا يفنى ولا يضيع.
قوله: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} المراد بالحق، القرآن، أو الإسلام أو رسول الله صلى الله عليه وسلم - لقد كذبوا بذلك كله لما جاءهم لهدايتهم وإرشادهم إلى الحق والصواب.