وقال الزهري: لقد كان الحديبية أعظم الفتوح - وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة - فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف.
قوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} اختلف العلماء في تأويل ذلك، وهل كان للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب فيغفر له؟ فقد قيل: المراد بذنبه، هو تركه للأفضل - وقيل: فعل الصغائر، فإنها جائزة على النبيين بالسهو والعمد - وقيل {ما تقدم من ذنبك} أي قبل الرسالة {وما تأخر} يعني بعدها - وقيل غير ذلك.
قوله: {ويتم نعمته عليك} وذلك برفع ذكرك في الدنيا والآخرة، والظهور على عدوك ظهورا عاليا مؤزرا - وقيل: بالنبوة والحكمة.
قوله: {ويهديك صراطا مستقيما} أي ويرشدك إلى الحق والهدى وهو صراطه الثابت المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا عوج.
قوله: {وينصرك الله نصرا عزيزا}
أي ينصرك نصرا ظاهرا مؤزرا لا
يغلبه غالب بما أيدك الله به من البأس والظفر
قوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما 4 ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما 5 ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانّين بالله ظن السّوء عليهم دائرة السّوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا 6 ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما} .
أنزل الله سكينته على رسوله والمؤمنين يوم الحديبية إذ صدهم المشركون عن بلوغ البيت الحرام فأصابهم من الحزن والكآبة والارتباك ما أصابهم - وراودت بعض نفوس المسلمين الشكوك، ورأى المنافقون في ذلك منفذا للطعن وإشاعة الظنون والأراجيف والفوضى - لكن الله بفضله ورحمته قد سلّم، إذ أفاض على المؤمنين بشؤبوب رخيّ مستعذب من الأمن والطمأنين والراحة - وهو قوله: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} أنزل الله على المؤمنين السكينة وهي الطمأنينة والرحمة تمس قلوبهم فتسكن وترتاح ويتبدد منها الإحساس بالضيق والكرب والحزن والعنت.
قوله: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} لقد أمرهم الله بتكاليف، واحدا بعد آخر، فآمنوا بكل واحد منها - فقد أمروا بالتوحيد فآمنوا واستقاموا، ثم أمروا بالصلاة والصيام والزكاة والحج والقتال فاستجابوا وأطاعوا، وبذلك ازدادوا بما جدد لهم من الفرائض إيمانا مع إيمانهم - وقيل: ازدادوا إيمانا بالاستدلال والبرهان والنظر مع إيمانهم الفطري الذي جبلوا عليه.
قوله: {ولله جنود السماوات والأرض} وذلك تهديد من الله يخوف به المشركين ويحذرهم شديد بأسه وعظيم انتقامه، فهو سبحانه بيده القوة والسلطان والجبروت - وعنده جنود السماوات والأرض من الملائكة العظام - لو أراد الله أن يهلك المشركين لأرسل إليهم واحدا من ملائكته فأهلكهم وقطع دابرهم.