قوله: {ومن يدبر الأمر} أي من يلي تدبير أمر السماء والأرض وما فيهن، ويدبر أمر العالم من إنس وجن وغيرهما من الخلائق؟ قوله: {فسيقولون الله} أي سيكون جوابهم أن الذي يفعل كل ذلك هو الله؛ لأنهم يعلمون أن الله هو الحق، وهم يعترفون بهذه الحقيقة لكنهم معاندون مكابدون.
قوله: {فقل أفلا تتقون} ما دمتم تقرون وتعترفون أن الله حق، وأنه خالق كل شيء ثم أنتم تعبدون من دونه آلهة أخرى، أفلا تخشون عقاب الله وتحذرون على أنفشكم بطشه وانتقامه؟.
قوله: {فذالكم الله ربكم الحق} هذا الذي يفعل ما بيناه فهو الرزاق من السماء والأرض، وواهب السمع والبصر، ومخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ومدبر المر كله في العالمين، لهو الله ربكم الحق الذي لا شك فيه، والذي لا إله غيره - وما من إله مزعوم غيره إلا الافتراء والباطل - لذلك قال: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} فأي شيء سوى الحق إلا الضلال؟ وهل من شيء غير الحق إلا الباطل؟.
قال الرازي في هذا الصدد: إذ ثبت أن هذا هو الحق، وجب أن يكون ما سواه ضلالا؛ لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين - فإذا كانا أحدهما حقا، وجب أن يكون ما سواه باطلا 43.
قوله: {فأنى تصرفون} أي كيف تصرفون عن عبادة الله الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، إلى عبادة أوثان جامدة لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنكم شيئا؟
قوله: {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} أي كما أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، أو كما أنهم مصرفون عن الحق {حقت كلمت ربك} وكلمته، تعني حكمه أو قضاءه؛ فقد حاق على الذين خرجوا عن صراط الله وأبوا إلا العتو والكفر {أنهم لا يؤمنون} وهذه الجملة في محل رفع بدل من {كلمت ربك} أي حق عليهم انتقاء الإيمان - وقيل - في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي الأمر عدم إيمانهم - وقال الزمخشري: أراد بالكلمة: العدة بالعذاب وقوله: {أنهم لا يؤمنون} تعليل؛ أي: لأنهم 44.
قوله تعالى: {قل هل من شركاءكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيدوه فأنى يؤفكون 34 قل هل شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون 35 وما يتبع أكثرهم إلا ظنا لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما تفعلون} .
بعد أن أنكر على المشركين صرفهم عن الحق وعبادة الله احتج على حقية التوحيد وبطلان الشرك، وعلى أن هذه الآلهة المختلفة لا تضر ولا تنفع، ولا تملك أن تفعل شيئا - والاستفهام هنا يراد به التبكيت والتقريع - وهو يتضمن التأكيد الجازم على أن هذه الأصنام ليس بمستطاع لها أن تبدأ الخلق في نشأته الأولى ثم تعيده بعد الموت والفناء مرة أخرى - بل إن الله لهو القادر على أن يبدأ الخلق ثم يبعثه من جديد يوم القيامة.
قوله: {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده} وهذه الجملة جواب لقوله: {هل من شركاءكم من يبدؤا الخلق} 45 - وهو جواب صريح واضح وفيه التأكيد الجازم على أن عملية الخلق والإعادة إنما هي منوطة بقدرة الله وعظيم جلاله وسلطانه - ولا تملك الآلهة والأرباب المزعومة والمصطنعة أن تفعل شيئا من ذلك.