وأما القول الثاني: فهو أن الذين عبدوا العجل وقفوا صفا ثم دخل الذين لم يعبدوه ومعهم السلاح، فمالوا عليهم ضربا بالسيوف والخناجر والسكاكين الى أن قتلوا منهم أناسي كثيرا، لكن الراجح في تقديرنا هو القول الأول وهو ما ذهب إليه كثير من المفسرين، وهو أنهم اقتتلوا فيما بينهم فجعل بعضهم يضرب رقاب بعض أو أحدهم يقتل الذي يليه كائنا من كان حتى أوحي إليهم أن يكفوا عن الاقتتال، كذلك كانت توبة بني إسرائيل إذا ما اقترفوا مثل هذه الكبيرة النكراء.
قوله: (ذلكم خير لكم عند باريكم فتاب عليكم) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ والميم للجمع، و (خير) خبر مرفوع والإشارة في قوله: (ذلكم) تعود إلى إعلان التوبة الحقيقية من اليهود وهي على الكيفية المبينة من اقتتالهم فيما بينهم، إذ يقتل بعضهم بعضا دون تمييز أو تردد، وفي هذه التوبة العملية القاسية ما يشهد لهم عند الله بالتوبة وهو سبحانه البارئ الذي خلق الوجود والخلائق من العدم والذي يقبل التوبة عن عباده.
وقوله: (فتاب عليكم) ذلك إعلان من الله لهم بالتوبة بعد أن نفذوا عملية الاقتتال بغير موارية أو تملص وهي عملية لا ريب أن تكون ثقيلة كؤودا تمكن قوم موسى من مجوزتها فاستحقوا من الله التوبة والغفران، وهو سبحانه الذي يغفر الذنوب جميعا والذي يتجاوز عن مساءات المسيئين مهما تكن من الفداحة والكثرة، (إنه هو التواب الرحيم) - 47
قوله تعالى: (وإذا قلتم يا موسى لن نومن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى عليه السلام، أنهم لن يومنوا له أو يصدقوه إلا إذا رأوا ربهم جهرة أي علانية أو عيانا، وهي من الجهر أو المجاهرة أو الجهار بمعنى الظهور أو الإظهار.
وقد ورد قولان في حقيقة الذين اجترحوا هذه المقولة (لن نومن لك حتى نرى الله جهرة) .
وأحد هذين القولين: أن ذلك في السبعين من بني إسرائيل الذين اخارهم موسى لميقات ربه، فلما أسمعهم موسى كلام الله عتوا وأسرفوا في التمرد وغالوا مغالاة يتورع عنها الخاشعون الذين يتقون الله فقالوا: (لن نومن لك حتى نرى الله جهرة) وذلك مطلب لا جرم ينطوي على غاية الاجتراء الفاجر أو التطاول الأثيم المغالي الذي ينم على طبع لجوج متوقح، خصوصا إذا علمنا أن هؤلاء السبعين كانوا من خيرة بني إسرائيل وصفوتهم الذين اصطفاهم موسى لإعلان التوبة نيابة عن قومهم فوق الجبل المقدس.
هؤلاء هم صفوة القوم وطليعتهم في العلم والورع، لا يتورعون عن مطالبتهم السقيمة وهي أن يروا ربهم عيانا علانية، وهي مطالبة لا تتيسر للبشر في هذه الدنيا كما ذهب أكثر أهل العلم فضلا عن أن ذلك لا يليق بمثل هذه الصفوة من خيار بني إسرائيل الذين انتخبهم موسى لميقات الله على الجبل، إنه لا يليق بهم، وهم الطليعة المؤمنة المصطفاة من القوم أن يطلبوا مثل هذا المطلب المتطاول الذي لا تشفعه أية أثارة من تواضع أو تورع أو حياء.
وثاني هذين القولين: أن موسى لما رجع من عند الله ومعه الألواح قد كتب فيها التوراة وفيها علم وهداية ونور، أمرهم أن يهتدوا بهديها وأن يأتمروا بما فيها من أوامر أو زواجر، فقال له قومه مقولتهم هذه العاتية المقبوحة: (لن نومن لك حتى ترى الله جهرة) .