أما (السلوى (فإنها صنف من الطير يشبه السماني أو هي السماني نفسه، وذلك طير نافع مأكول قد أفاض الله به على بني إسرائيل في سيناء ليأكلوا منه هنيئا مريئا من غير أن يجدوا في ذلك نصيبا، وفي ذلك يقول لهم سبحانه: (كلوا من طيبات ما رزقناكم (والطيبات مفردها طيبة، وهي من الفعل طاب يطيب نقول طاب الشيء فهو طيب إذا كان لذيذا أو حلالا، والأمر في قوله: (كلوا (يفيد الإباحة فقد أباح الله لهم أن يستمتعوا بما رزقهم من حلال لذيذ، وهي نعمة قد أفاشها الله عليهم في ساعات العسر، وفي أحلك أوقات الشدة، التي تجتمع فيها أهوال من الحر والجوع والارتباك والحيرة في مثل الصحراء اليابسة الجرداء التي تغيب فيها كل أسباب العيش والأمان.
ولا يكاد المتدبر يردد كلمات الله في هذا الصدد حتى يستذكر أحداثا من الأهوال والمآسي قد عانى منها أصحاب النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وهم يحتملون من الشدائد والكروب ما لا يقدر على احتماله بشر، نقول ذلك ونحن نستذكر حالات الحروف والجوع والأذى التي كان يعاني منها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، في مستهل دعوة الإسلام، يوم أن تمالأ عليهم الناس من بني عشيرتهم وقومهم إذ كانوا يناصبون الكيد والشر، ويتحرشون بهم ليضيقوا عليهم تضييقا، ثم يأتمرون بهم ليوثقهم أو يخرجوهم أو يقتلوهم قتلا، وفي طليعتهم القائد الملهم الفذ نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام، وأصدق ما يرد في هذا الصدد ما نطق به القرآن الكريم: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (ومع ذلك كله فقد ثبت أصحاب النبي عليه السلام في وجه الكوارث والأهوال فما وهنوا أو استكانوا لما أصابهم، وما تزعزعت عزائمهم أمام النوائب والكروب، ولا شددوا على نبيهم في الطلب والدعاء، ولكنهم ظلوا صابرين محتسبين إلى أن كتب الله لهم النصر المبين.
قوله: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (آتيناهم كثيرا من النعم والخيرات، ورزقناهم كثيرا من الطيبات، وخولناهم ذلك كله ليأكلوا منه ويتمتعوا به ثم ليعبدوا الله ويذعنوا له بالطاعة وتقديم الشكران، لكنهم عصوا وفسقوا عن أمر الله فظلموا بذلك أنفسهم إذ أوردوها أتعس مورد ولم يظلمونا نحن فإننا لا يمسنا ظلم ولا يحيق بنا ضر أو لغوب.
قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) .
بعد أن من الله على قوم موسى فأذهب عنهم محنة الضياع في التيه حيث الحيرة والتلجلج والاضطراب بعد ذلك أمرهم الله أن يدخلوا (هذه القرية (والقرية من الفعل قرى يقري أي جمع يجمع، نقول قرى الماء في الحوض أي جمعه فيه، والمقراة مكان يجتمع فيه الماء وجمعها مقاري وهي الجفان الكبار ومفردها جفنة وهي وعاء واسع لاستيعاب الماء.
وتطلق القرية ويراد بها المدينة، وقد سميت بالقرية، لأنها مكان يجتمع فيه الناس، مثلما نقول قرية النمل مكان اجتماعها، والقارية الحاضرة الجامعة - 48