قوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي أن أكثر هؤلاء الضالين الخاطئين ضالعون في الجهالة والعمه، فلا يعلمون الحق ولا يفقهون على الصواب، ولا يمضون على جادة الصراط - وذلك هو شأن البشرية في غالب أزمانها وأحوالها وشعوبها، فإن الأكثرين من الناس قد غشيت بصائرهم العماية والتضليل والوهم، فلم يهتدوا سبيلا - وأسباب ذلك متعددة، وفي طليعة ذلك إغراء الشياطين من الإنس الذين يضلون الناس والذين يزينون لهمن مجانبة الحق والهداية والتزام الطاعات، وكذلك يزينون لهم فعل المحظورات جريا وراء الملذات والشهوات.
قوله: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} المكاء: الصفير - مكا يمكو مكوا ومكاء؛ أي صفر بفيه 44 - أما التصدية: فهي التصفيق - يقال: صدى يصدي تصدية؛ إذا صفق بيديه 45 - فقد كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون، وهم يظنون سفها أن ذلك عبادة - وقيل: كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا به على الرسول صلاته - أو على سبيل الاستهزاء بالمؤمنين 46 - وفي ذلك رد على الصوفيين الذين يرقصون ويصفقون وهم يتغشاهم الغثيان وفقدان الوعي لفرط ما يمسهم من هوس - لا جرم أن ذلك منكر وجهالة تبرأ منهما ملة الإسلام - هذا الدين البين الحنيف الذي بني على التوحيد والعلم وفطانة العقل ونباهته والذي يحول بين أهله وبين الخدر والغثيان وهوسات العقل.
قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي ذوقوا إيلامه بالحس بسبب جحودكم وعصيانكم - والمراد بالعذاب هنا: ما توعدهم به من القتل والأسر والإذلال في بدر 47.
قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون 36 ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} .
ذلك نذير من الله للكافرين الذين يجمعون الأموال الطائلة الكاثرة لإنفاقها في سبيل الشيطان من اجل الصد عن دين الله، ولحمل الناس على الشرود والنفور من دعوة الحق - إن ذلك لهو ديدن الكافرين في كل زمان - أولئك الحاقدون الماكرون المتربون الذين دأبهم الخيانة والتآمر في الظلام، فهم قليلا ما يهجعون أو يغفلون عن الكيد للإسلام وأهله - لقد شغلهم الحقد وكراهيتهم لهذا الدين العظيم - ومن أجل ذلك فقد تنادوا لجمع أموالهم كيما تصرف في وجوه الشر والعدوان والتنكيل بالمسلمين وإبادة الإسلام كله لكي يستحيل إلى أثر بعد عين.
ذلك هو شأن الكافرين في كل زمان؛ فهم في عهد النبوة، من الطور الأول من أطوار الإسلام قد تنادوا لجمع أموالهم كيما تنفق فيما يتهدد الإسلام والمسلمين بالإبادة والزوال - ثم ما لبث الكافرون والظالمون المتربصون -على مر الزمن- يتواصون فيما بينهم على ضرب الإسلام وتدميره واستئصاله أو إضعافه وتشويهه والتحريض على كراهيته ومجانبته البتة - وهم في ذلك ينفقون المقادير الهائلة من الأموال لتحقيق هذه الغاية الخبيثة الظالمة.