فهرس الكتاب

الصفحة 1029 من 2536

وهذا صنف آخر من المنافقين الذين كانوا يبسطون ألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوء والأذية والتشويه؛ إذ يأفكون بالباطل والزور إفكا ظالما كاذبا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم {أذن} أي مستمع قابل، أو يقبل كل ما قيل له، أو هو أذن سامعه يسمع من كل أحد ما يقول فيقبله ويصدقه - لا جرم أن ما يفتريه المنافقون من إيذاء خبيث لهو الباطل - فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يوهمون ويخصون، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مستمع في العالمين لخير الكلام وليس دونه من شر الكلام وسوءه - وهو قوله سبحانه {قل إذن خير لكم} {أذن خير} ، خبر لمبتدأ مقدر، وتقديره: هو أذن خير؛ أي هو مستمع شر وفساد 132؛ أي هو أذن خير لا أذن شر؛ إذ يسمع الخير ولا يسمع الشر، ويعرف الصادق من الكاذب.

قوله: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} أي يصدق بالله وحده لا شريك له، إلها خالقا معبودا، ويصدق المؤمنين لا الكافرين ولا المنافقين - وهذا رد لمقالة المنافقين والكافرين بأن محمدا صلى الله عليه وسلم مستمع خبر، مصدق بالله وما أوحي إليه من عنده سبحانه، ومصدق المؤمنين وليس المنافقين والكافرين.

قوله: {ورحمة للذين آمنوا منكم} أي جعل الله رسوله رحمة لمن اتبعه من الناس واهتدى بهديه؛ بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة للعالمين كافة، يهيديهم إلى سوء السبيل ويقودهم إلى النجاة والسلامة في الدارين، دار الفناء ودار البقاء.

قوله: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} هذا وعيد من الله للمنافقين الخبثاء الذين يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ يصفونه بأنه {أذن} أن لهم جهنم حيث العذاب الأليم 133.

قوله تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين 62 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم} روي أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرفنا وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين، فقال: والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار، فسعى بها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: (ما حملك على الذي قلت؟) فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله: {يحلفون بالله لكم} الآية.

وقيل: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل حذيفة ما قالوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم، فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لهم 134.

والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم أيها المؤمنون بالله لترضوا عنهم ولتصدقوهم فيما أنكروه وكذبوه مما نسب إليهم من إيذاء وطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد حلفوا الأيمان الفاجرة أنهم ما قالوا شيئا مما نسب إليهم، وأنهم على دينكم وهم معكم على من خالفكم - وهم في الحقيقة إنما يبتغون بذلك إرضاءكم أنتم غير عابئين بكونهم كاذبين فاسقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت