بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية كلها - وقيل: مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة - ويتزاحم في هذه السورة فيض من المعاني الجليلة المؤثرة، وذلك في ألوان شتى من العبر والمواعظ والمشاهد، وفي طليعة ذلك: التخويف من يوم القيامة حيث الفظائع والأهوال والبلايا، وما يتجرعه المشركون والظالمون في النار من سوء الشراب وبشاعة التحريق - ولعل أبرز أخبار السورة وما حوته من مضامين، الحديث عن خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ إذ دعا ربه وهو في مكة أن يجعل هذا البلد (مكة) آمنا، وأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، ثم تضرعه إلى ربه أن يجعل قلوبا من عباده المؤمنين تحن إلى هذا البلد الطاهر فترغب على الدوام في زيارته ومشاهدته بالرغم من جدبه وجفافه وشحة الزرع والثمار فيه - إلى غير ذلك من الأخبار والمواعظ.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ألم كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد} .
(الر) في موضع رفع على أنه مبتدأ، وخبره (كتاب) - وقد تقدم نظير ذلك من حيث الخلاف في تأويله - وقيل: (كتاب) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هذا كتاب - و (أنزلناه) ، جملة فعلية في موضع رفع صفة لكتاب 1، والمراد بالكتاب، القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد (ص) - وهو سبحانه يخاطبه فيه بقوله: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) (الظلمات) جمع ظلمة وهي سواد الجو المانع من الرؤية - أو هي ذهاب الضياء بما يستره - و (النور) معناه الضياء، أو البياض الشعاعي الذي تصح معه الرؤية ويمنع معه الظلام - والمقصود بالظلمات هنا الكفر بكل صوره وضروبه ومسمياته، يستوي في ذلك كفر الوثنيين أو الملحدين أو الوجودين أو أهل الكتاب - ومن أجل ذلك حيث المسميات الكثيرة للكفر جيء بالظلمات على الجمع، وأفرد النور، والمراد به الإسلام؛ فهو الحق الواحد الراسخ الذي لا حق غيره وليس من شيء بعده إلا الضلال - لا جرم أن الإسلام وحده دين الهداية والكمال والعدل المطلق - الدين الذي تستقيم عليه أوضاع البشرية؛ لأنه دين معتدل ومنسجم ورحيم ووسيط، يراعي فطرة الإنسان وطبيعة البشر أكمل مراعاة بعيدا عن التخبط أو الإفراط أو التفريط، أو المغالاة التي اتسمت بها الملل والعقائد والشرائع الأخرى التي سيمت خلالها الإنسانية البلايا والفشل والأمراض وسوء العاقبة.
لقد بعث الله نبيه محمدا (ص) هاديا للناس ومرشدا ونذيرا - وفي ذلك ما يخرج الناس من كابوس الكفر الذي يترعرع فيه الشر والباطل، وتتجرع خلاله البشرية مرارة الظلم والفساد والضلال - يخرجهم من هذه الحمأة الآسنة المنكودة حيث العفن والضيم والمضاضة إلى نور الإسلام بضيائه الساطع المشعشع الذي تتندى خلاله وفي ظلاله نسائم الأمن والراحة والأخوة والرحمة.