فهرس الكتاب

الصفحة 745 من 2536

ثانيهما: أنه القرآن - وهو الراجح والأولى - لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق - والمعهود من الكتاب عند المسلمين هو القرآن - فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن 47 فقد بين الله في هذا الكتاب الحكيم كل ما يحتاج إليه العباد من أمر الدين والدنيا مما ينفعهم ويكفل لهم الحياة الكريمة والعيش الآمن.

على أن ما حواه القرآن من بيان لمشكلات العباد ومصالحهم جاء إما مفصلا، وإما مجملا فما كان مفصلا جاء مبينا مستفيضا ومشروحا - وما كان مجملا فهو المثابة لأمهات القضايا في العقيدة والتشريع والكون وحياة الإنسان مما يتضح عن طريق السنة والإجماع أو القياس أو النظر - وقوله: {من شيء} من، زائدة - كقوله: ما جاء من أحد - أي ما جاء أحد - وقيل: من للتبعيض - فالمعنى: ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المكلف - قوله: {ثم إلى ربهم يحشرون} في المراد بالحشر هنا قولان: أحدهما: أن الحشر هنا مراد به الموت - فالله تعالى يحشر الدواب والطير بموتها.

وثانيهما: أن المراد بالحشر الجمع لبعث الساعة - وقيام القيامة - إذ يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة سواء فيهم البهائم والدواب والطير وكل شيء ثم يقضي الله بينهم جميعا بالعدل حتى يبلغ عدل الله في ذلك يومئذ مبلغه - فيأخذ للجماء، وهي عديمة القرن، من القرناء، وهي ذات القرن - ثم يقول لها جميعا: كوني ترابا - ومن أجل ذلك يقول الكافر، إذ يرى ذلك: {يا ليتني كنت ترابا} وفي ذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء 48 من الشاة القرناء"ويدل ذلك على أن البهائم تحشر يوم القيامة - وهذا القول أصح، لقوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} .

قوله: {والذين كذبوا بئايتنا صم وبكم في الظلمت} صم وبكم خبر لاسم الموصول - وقيل: خبر لمبتدأ محذوف تقديره بعضهم - أي بعضهم صم وبعضهم بكم - أي أن الذين كذبوا بقرآن الله أو بحجبه ودلائله صم عن سماع الحق فلا يسمعون الآيات سماع المتأثر المستجيب - وهم كذلك بكم لا يقولون الحق ولا ينطقون بمقتضى الآيات من الصدق والصواب والحكمة - وهم مع ذلك كله سادرون حيارى، إذ يتخبطون {في الظلمت} أي ظلمات الكفر - أو ظلمات الجهل والعناد والسفاهة والتقليد بالباطل.

قوله: {من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} أي من يرد الله سبحانه أن يخلق فيه الضلال عن الحق يخلقه فيه فيضل - فيسوقه للضلال حينئذ اختياره الناشئ عن استعداده - ومن يرد الله أن يخلق فيه الهدى إلى الحق يخلقه فيه فيساق إليه تبعا لاختياره الناشئ عن استعداده.

وقالت المعتزلة: في تأويل قوله: {من يشإ الله يضلله} الآية: أي يخذله ولم يلطف به - وضلاله عدم اللطف به، لأنه ليس من أهل اللطف - أما من يرد الله أن يجعله على صراط مستقيم، فالمراد به أن يلطف به، لأنه من أهل اللطف ولأن اللطف يجدي به - والصواب الأول وهو قول أهل السنة - فهو الظاهر المستبين من الآية - ويعززه غير ذلك من الآيات كقوله عز وعلا: {ويضل الله الظلمين} وقوله {وما يضل به إلا الفسقين} وقوله: {يهدي به الله من اتبع رضونه} وقوله: {يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت} 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت