فهرس الكتاب
يبين الله في هذه الآيات ما أعده للمتقين من حسن الجزاء في جنات النعيم - وذلك بما أحسنوا في حياتهم الدنيا وبما كانوا يعبدون الله ويستغفرونه وبما بذلوه من أموالهم للفقراء والمحاويج - فقال سبحانه: {إن المتقين في جنات وعيون 15 آخذين ما آتاهم ربهم} الذين اتقوا ربهم فخافوه وأطاعوه واجتنبوا معاصيه، أولئك يجزيهم ربهم جنات الخلد في الآخرة.
قوله: {آخذين ما آتاهم ربهم} فهذه حالهم في الجنة، أنهم يتنعمون فيما أسبغ الله عليهم من وجوه الخير والنعمة في الجنة {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي كانوا في الدنيا يؤدون ما عليهم من وجوه الطاعات والقربات - وقد بين ذلك بقوله: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} .
قوله: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} يهجعون، ينامون - من الهجوع وهو النوم ليلا - والتهجاع والهجعة يعني النومة الخفيفة في الليل - وقليلا، منصوب، لأنه صفة لمصدر محذوف - وتقديره: كانوا يهجعون هجوعا قليلا.
وما، زائدة - وقيل: مصدرية أو موصولة - أي كانوا قليلا من الليل في هجوعهم - أو ما يهجعون فيه - وقيل: ما، نافية - أي كانوا ينامون قليلا من الليل - أو كانوا قليلا من الليل لا يهجعون 5 - قال ابن عباس (رضي الله عنهما) في ذلك: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا.
قوله: {وبالأسحار هم يستغفرون} والأسحار جمع سحر، وهو بالفتح، قبيل الصبح
6 وذلك إطراء من الله لعباده المحسنين فهم يستيقظون آخر الليل
من وقت السحر ليستعفروا ربهم ويصلوا خاشعين منبين
ثم يجتهدون في الدعاء فإن الدعاء مع العبادة.
قوله: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} ذلك إطراء آخر للمؤمنين المحسنين - وهو أنهم يبذلون حقا من أموالهم للسائل والمحروم - والمراد بالحق في أموالهم: الزكاة المفروضة - وقيل: كل حق سوى الزكاة - والأولى أنه ما يفرزه المحسن من ماله فيجعله للسائل والمحروم وغيرهما ممن يجب بذل المال إليه كالرحم والضيف والجار المحتاج.
أما السائل، فهو الذي يسأل الناس لما به من فاقة وعوز، وله حق فقد روى الإمام أحمد عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"للسائل حق وإن جاء على فرس".
وأما المحروم، فهو المحارف - بفتح الراء- أي المحدود المحروم وهو ضد المبارك - وقد حورف كسب فلان إذا شدد عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه 7 والمراد به ههنا الذي ليس له سهم في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها - وقالت أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) : هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه - وقيل: هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا، ولا يعلم الناس بحاجته - وفي الحديث:"ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه".