قوله تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} {تلك} في موضع رفع مبتدأ - وخبره: {من أنباء الغيب} - و {نوحيها} : خبر بعد خبر - ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال 60.
يبين الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن ما أخبره به عن قصة نوح وقومه الظالمين الجاحدين وما حاق بهم من عذاب الطوفان المغرق، كل ذلك من أخبار الغيب التي لم يشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان ليعلمها هو ولا غيره من الناس لولا أن الله أوحي له بخبرها فعلمها.
وذلك من جملة الأدلة البلجة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم؛ فهو العربي الأمي الذي ما عرف القراءة ولا الكتابة، وما تلقى العلم عن أحد، ولا درس التاريخ ولا غيره من العلوم - بل كان أميا ينتمي إلى أمة أمية غير قارئة ولا كاتبة - فمن أين له أن يقف على مثل هذه الأنباء القديمة لولا الوحي الذي يأتيه من السماء فيوقفه على أنباء الأولين؟
قوله: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} أي اصبر على أمر الله بتبليغ رسالته للناس، واحتمل ما يصيبك من ظلم قومك وإيذائهم كما صبر نوح من قبلك؛ إذ مكث فيهم صابرا محتملا ألف سنة إلا خمسين عاما وهم يذيقونه ألوان العذاب والتنكيل فما استيأس ولا تردد - {إن العاقبة للمتقين} لسوف تكون العاقبة الخيرة المحمودة بالظفر والغلبة وحسن الثناء للذين يتقون ربهم في هذه الدنيا، ثم يصيرون إلى الفوز بالنعيم والنجاة من العذاب الأليم في الآخرة 61.
قوله تعالى: {وإلى عاد أخدهم هود قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون 50 يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون 51 ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزيدكم قوة إلى وقوتكم ولا تتولوا مجرمين} {أخدهم} ، منصوب بفعل مقدر، وتقديره: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا 62؛ أي أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، فهو أخوهم؛ لأنه منهم، وقد كانوا عبدة أوثان فقال لهم: {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} أي اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوه بالإلهية دون أحد سواه ودون هذه الآلهة المفتراة المختلفة من الأوثان التي تعبدونها - وهو قوله: {إن أنتم إلا مفترون} يعني ما أنتم إلا أهل فرية تختلفون الباطل وتصطنعون الكذب والأنداد الموهومة من دون الله.
قوله: {يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني} قال هود: لا أسألكم على ما أدعوكم غليه من إفراد الله بالإلهية وإخلاص العبادة له وحده، والتبرؤ كليا من رجس الأوثان -لا أسألكم على ذلك كله جزاء أو ثوابا، وإنما جزائي في ذلك على الله الذي خلقني؛ فهو يجزيني من فضله الخير والمثوبة - {أفلا تعقلون} أفلا تستعملون عقولكم لتقفوا على الحقيقة والصواب، وتعلموا المحق من المبطل، وتوقنوا أن ما تعبدونه من أوثان ليس إلا الرجس والباطل والاختلاق.