وقد نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وفي ثلاثة من المشركين هم عتبة وشيبة والوليد بن عتبة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أننا أفضل حالا منكم في الدنيا - فأنكر الله عليهم هذا الكلام وبين أنه لا يستوي حال المؤمن المطيع وحال المشرك العاصي عند الله في الآخرة - فالمشركون فاسقون ضالون، ظالمون لأنفسهم، فهم صائرون إلى النار، أما المؤمنون فهم مصدقون بالنبيين، موقنون بيوم القيامة، مذعنون لله بالطاعة والامتثال، فإنما يجزون الجنة ورضوان ربهم - واختلفوا في المراد بقوله: {محياهم ومماتهم} فقال ابن عباس: يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين، ويموتون كافرين - والمؤمنون يعيشون مؤمنين، ويموتون مؤمنين، ذلك لأن المؤمن ما دام في الدنيا فإنه يكون وليه هو الله، وأنصاره المؤمنون - أما الكافر فهو خلاف ذلك - وعند الدنوّ من الموت فحال المؤمن كما ذكره الله {الذين تتوافهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة} أما حال الكافر فهو ما ذكره الله في قوله: {الذين تتوافهم الملائكة ظالمي أنفسهم} أما في الآخرة فقال الله في التمييز بين الصنفين {وجوه يومئذ مسفرة 38 ضاحكة مستبشرة 39 ووجوه يومئذ عليها غبرة 40 ترهقها قترة} وذلك يشير إلى التفاوت بين المؤمنين السعداء، والظالمين الأشقياء - وقيل: المراد إنكار التسوية بين الفريقين في الممات كما استووا في الحياة، وذلك لأن المؤمن والكافر قد يستوي محياهم في الصحة والرزق والكفاية بل ربما يكون الكافر أرجح حالا من المؤمن، وإنما يظهر الفرق بينهما في الممات.
قوله: {سآء ما يحكمون} إن جعلت {ما} ، معرفة فهي في موضع رفع، فاعل {سآء} وإن جعلت نكرة كانت في موضع نصب على التمييز 7 وذلك إنكار من الله لهذه التسوية المزعومة، أي بئس الحكم الذي ظنوا أنا نجعل الذين اكتسبوا السيئات والمؤمنين الذين عملوا الصالحات، سواء محياهم ومماتهم، أو ساء حكمهم الذي حكموا به - فأنّى للفريقين المتضادين المختلفين أن يستويا.
قوله: {وخلق الله السموات والأرض بالحق} لم يخلق الله السماوات والأرض للجور والباطل بل خلقهما للعدل والحق - ومن الحق والعدل أن يخالف في الحكم بين المسيء والمحسن، أو بين المبطل والمحق، فإنهما لا يستويان - لا في المحيا ولا في الممات ولا في المواقف والمشاهد يوم الحساب - قوله: {ولتجزى كل نفس بما كسبت} أي ليثاب كل امرئ بما قدم فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فلا يبخس المحسن من أجره شيئا ولا يعطى المسيء جزاء من أحسن {وهم لا يظلمون} لا يظلم الله أحدا من عباده بل يجازي كل امرئ بما عمل.
قوله: {أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه} الهوى، بالألف المقصورة معناه العشق، وهو يكون في الخير والشر وإرادة النفس 8.