الثالث: أن يكون منصوبا بتقدير فعل، وتقديره: واذكر إبراهيم 12 وذلك تذكير بنبي كريم ورسول مفضال عظيم، إمام الحنفاء والصديقين والميامين - وذلكم هو خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حين دعا قومه إلى الوحدانية وإفراد الله وحده بالعبادة، ونبذ الأصنام الجامدة الخرساء التي لا تنطق ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع - وهو قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ} أفردوا الله وحده بالعبادة والتوحيد؛ فإنه المعبود الحق دون سواه - وما غيره إلا المخاليق أو أمم أمثالكم {وَاتَّقُوهُ} أي خافوه واتقوا عذابه بطاعته واجتناب معاصيه.
قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} عبادة الله وحده لا شريك له خير لكم من عبادة الأوثان على اختلاف أشكالها ومسمياتها؛ فإنها فارغة وموهومة وجوفاء لا تجدي ولا تنفع، إن منتم تعلمون الخير من الشر، أو النافع من الضار.
قوله: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} الإفك معناه الكذب - ورجل أفاك أي كذاب 13 والمعنى: أنكم ما تعبدون إلا أصناما، اصطنعتموها أنتم وأوجدتموها فهي مخلوقة ومكذوبة، وقد سميتموها بأسمائها اختلاقا وإفكا من عند أنفسكم.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ} يعني أن آلهتكم المزعومة الموهومة التي تعبدونها من دون الله ليست غير أصنام جامدة خرساء لا تملك لكم شيئا، فلا تقدر أن ترزقكم بل الله هو رازقكم فالتمسوا عنده الرزق {وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي أذعنوا له بالخضوع والطاعة واشكروه على ما رزقكم من مختلف أصناف الرزق، وعلى ما منَّ به عليكم من وجوه النعم، وأنكم لا محالة صائرون إلى الله بعد مماتكم ليسألكم عما فعلتموه في حياتكم الدنيا من طاعة أو عصيان.
قوله: {وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} قيل: هذا من قول إبراهيم لقومه - وقيل: بل الله يبين للناس أنهم إن كذبوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم إليه من توحيد الله وإفراده وحده بالعبادة والاستسلام لشرعه ومنهجه الحكيم القويم، فقد كذّب أقوام آخرين من قبلهم؛ إذ جحدوا رسلهم وكذبوا بالحق المنزل من عند الله فحاق بهم غضبه وعقابه الأليم - فإذا لم يزدجر عن غيهم وضلالهم فسبيلهم كسبيل السابقين المهلكين.
قوله: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} أي ليس على رسولنا محمد إلا تبليغكم دعوة الحق الواضح الأبلج، ورسالة التوحيد الساطع المستبين.