الثاني: إن الأكل من فوق يراد به نزول المطر، ولأكل من تحت الأرجل معناه خروج النبات والثمر.
الثالث: من قول الزمخشري وهو كثرة الأشجار المثمرة والزرع المغلة وأن يرزقهم الله الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم.
قوله: {منهم أمة مقتصدة} الاقتصاد معناه الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير - وأصله القصد، ومعناه العدل واستقامة الطريق - وهو ضد الإفراط 151 والمراد بقوله: {أمة مقتصدة} أي طائفة معتدلة من اليهود غير مغالية ولا مفرطة - فهي على الحق والاعتدال، ومجانبة للإفراط والتفريط وهم الذين آمنوا واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأمثاله من اليهود الذين أسلموا، وآخرون من النصارى آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوا النور الذي أنزل معه كالنجاشي وأصحابه من النصارى.
وقيل: المراد بهم الكفار من أهل الكتاب الذين كانوا عدولا في دينهم وطبائعهم وسلوكهم، إذ لم يكونوا مغالين ولا غلاظا - وما كانوا يؤذون المؤمنين بالكيد وفاحش القول.
قوله: {وكثير منهم ساء ما يعملون} أي أن كثيرا من أهل الكتاب أجلاف متعصبون وهم مبغضون لئام، طغت عليهم الكراهية، وملك قلوبهم الحقد فساء عملهم إذ عاثوا في البلاد إفسادا وتشويها وتحريضا على التصدي للإسلام والمسلمين - وفيه معنى التعجب أي أن كثيرا منهم ما أسوأ عملهم 152.
قوله تعالى: {يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} ذلك نداء كريم من الله جل جلاله لرسوله صلى الله عليه وسلم يأمره فيه القيام بوجيبة التبليغ في مجاهرة ظاهرة مسموعة فلا مبرر للتخفي والاستسرار، بل دعوة الناس صراحة إلى دين الله - وذلك بعد أن كان عليه الصلاة والسلام يدعوهم خفية خشية من إيذاء المشركين - فما إن أمره الله بإظهار دينه علانية بادر العالمين بالدعوة إلى الله جهارا ممتثلا أمر ربه أتم الامتثال - روى البخاري في تفسير هذه الآية عن عائشة رضي عنها قالت:"من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب"وذلك رد لقول من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية - وهو قول الرافضة - لا جرم أن هذا زعم باطل - فقد دلت الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر دينه، بل إنه مكلف أن يبلغ العالمين كافة ما أنزل إليه من ربه - وقد قام بذلك خير قيام - يدل على ذلك كذلك ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم حجة الوداع:"يا أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟"قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت - فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول:"اللهم هل بلغت".
قوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} أي بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك فإن كتمت منه شيئا إذن لم تبلغ ما كلفت بأدائه ولم تؤد منه شيئا قط، لأن بعضها ليس أولى بالأداء والتبليغ من بعضها الآخر، وإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا - والشأن في ذلك شأن الذي لم يؤمن ببعضها فهو كمن لم يؤمن بكلها، لأنه بكتمان بعضها يضيع ما أدى كترك بعض أركان الصلاة فإنه يضيعها كلها.