فهرس الكتاب
قوله: {كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها} (سيئة) ، سيئ مضاف، والضمير مضاف إليه (كل ذلك) ، مبتدأ - و (ذلك) إشارة إلى المذكور المتقدم من قوله: (وقضى ربك) إلى هذا الموضع - و (سيئة) مرفوع بكان - و (مكروها) خبر كان، منصوب - والمعنى: كل هذا الذي ذكره الله مما نهى عنه وحذر منه تحذيرا مثل عقوق الوالدين وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس ظلما واتباع ما ليس للإنسان به علم والمشي في الأرض تكبرا ومرحا، كل أولئك مقبوح وهو عند الله بغيض ومكروه 54.
قوله تعالى: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} الإشارة، إلى ما تقدم ذكره من الآيات بداء بقوله: (ولا تجعل مع الله إلها آخر) حتى هنا - وقد سمى ذلك حكمة؛ لأنه كلام كريم ومحكم لا مدخل فيه للفساد أو النقص بحال - وهي في جملتها تنهى عن الشرك وتدعو إلى التوحيد الخالص لله وما يقتضيه هذا الأصل من مختلف الطاعات والعبادات.
قوله: (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا) الخطاب لرسول الله (ص) - والمراد به كل الناس؛ إذ يحذرهم من فظاعة الشرك - لا جرم أن الشرك ظلم عظيم؛ فهو يودي بالمشركين في جهنم ملومين مدحورين؛ أي تلومون أنفسكم ويلومكم الخلق فيحيط بكم التعس والحسرة والندامة من كل جانب فلا يغني عنكم ذلك من العذاب شيئا - والمدحور، معناه المبعد من كل خير ورحمة.
قوله تعالى: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} ذلك تنديد غليظ من الله جل وعلا بالمشركين السفهاء الذين قالوا: الملائكة بنات الله - وهذه المقالة وحدها بالغة الفظاعة والنكر؛ فهم بذلك متلبسون بالشرك غاية التلبس مع أنهم لا يرضون البنات لأنفسهم؛ إذ كانوا ينتغصون من ولادتهن ويتحجرون من جيئتهن تحرجهم المخزي؛ بل كانوا لا يتورعون عن وأدهن في الثرى - فقال الله لهم موبخا: (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا) الهمزة للاستفهام الإنكاري؛ إذ يقول لهم الله مستنكرا: أتجعلون لأنفسكم ما تحبون، ولله ما تبغضون؟ أفترضون لله ما لا ترضون لأنفسكم؟!
إنكم بقيلكم الظالم هذا إنما تفترون على الله أفظع افتراء، وتكذبون عليه أشد الكذب.
قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا} التصريف في اللغة معناه صرف الشيء من جهة إلى جهة؛ كتصريف الرياح، وتصريف الأمور - ثم جعل لفظ التصريف كناية عن التبيين؛ لأن من يبتغي أن يبيّن كلامه ويوضحه؛ فإنه يصرفه من نوع إلى نوع آخر، ومن مثال إلى مثال آخر؛ كأن يجعله وعدا ووعيدا، وأمرا ونهي، وأخبارا وأمثالا، ومواعظ وحكما - وذلك ليكتمل الإيضاح والبيان، ويظهر فيه الحجة والبرهان على أتم ما يكون عليه التبيان - وقيل: (في) زائدة كقوله: (وأصلح لي في ذريتي) أي أصلح لي ذريتي.