فهرس الكتاب

الصفحة 1669 من 2536

قوله: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} يحذر الله نبيه محمدا (ص) من طاعة المشركين فيما يدعونه إليه من موافقتهم ومداهنتهم؛ فإنهم كانوا قد استمعوا إليه ورغبوا منه في أن يرجع إلى دين الآباء والأجداد وله في مقابلة ذلك أن يملكوه عليهم، وأن يجمعوا له المال فيكون أعظمهم مالا - فنهاه الله تعالى عن طاعتهم وحذره الجنوح إلى قولهم؛ فإنه على الحق المبين، واليقين الناصع المستقيم - أما هم فإنهم على الباطل والضلالة والتخمين - ثم أمره ربه أن يجهادهم به جهادا كبيرا؛ أي يجاهدهم بالقرآن وما حواه من ظواهر شتى في الإعجاز على تعدد صوره وضروبه، أو يجاهدهم بالإسلام فيبين لهم صلوح هذا الدين الكامل الشامل - الدين الذي تترسخ فيه قواعد الخير والعدل والرحمة للبشرية لتمضي في حياتها سالمة آمنة مطمئنة تفيض فيها الرحمة والمودة والإخاء، وتجللها المهابة ووحدة الكلمة والصف والأوطان - وهذه مجاهدة عظيمة يكبر حملها والاضطلاع بها لما يجده المجاهدون في سبيل الله ومن أجل دعوة الإسلام وإعلاء راية القرآن، من المعوقات والمصاعب على الطريق - المصاعب التي يزرعها خصوم الحق وأعداء الإسلام، وهم كثيرون منتشرون في كل بقاع الدنيا.

قوله: (وهو الذي مرج البحرين) (مرج البحرين) ، أي خلالهما لا يلتبس أحدهما بالآخر 36 أو خلاهما متجاورين متلاصقين - وقد سمي الماءين الكثيرين الواسعين بحرين (هذا عذاب فرات وهذا ملح زجاج) أي خلق الماءين وهما الحلو والملح - فالحلو كالأنهار والآبار والعيون - وهذا هو البحر الحلو العذب الفرات - فقد جعله نعمة للخلق والعباد ليشكروه ولا يكفروه؛ فهم محتاجون إلى هذا الماء؛ إذ يستقون منه شرابا عذبا زلالا ويسقون منه الحرث والأنعام - فلولاه لكانت الأرض يبسا قفرا لا حياة فيها ولا نبات ولا نماء، و (فرات) صفة لقوله: (عذب) أي شديد العذوبة.

أما الملح الأجاج، فهو المالح المر لشدة ملوحته 37 وذلك كالبحار المعروفة في مشارق الأرض ومغاربها - ومنها المسماة بالمحيطة كبحر الأطلسي والهادي وغيرهما من المحيطات والبحار الكبيرة: كبحر الروم وبحر الخزر والبحر الأحمر وما شاكلها من البحار الملحة - وهي ساكنة راكدة لا تجري لكنها تضطرب وتتلاطم فيها الأمواج، وخصوصا في الشتاء وعند اشتداد الرياح - ومن عجيب صنع الله وبالغ حكمته التي يتدبرها أولو النهى والحجا، أن خلق الله هذه البحار الساكنة ملحة كيلا يأتي عليها التعفن والنتن فتفسد بفسادها الدنيا.

ومعلوم أن نسبة البحار الملحة في الدنيا تعدل ثلثي الأرض - فكيف إذا خالطت العفونة والنتن هذا الشطر الأكبر من مساحة العالم - لكنها بكونها ملحة؛ فإنها تظل سليمة من الفساد والنتن، ويظل ماؤها طيبا طهورا؛ فقد روى كثير من الأئمة وأهل السنن عن رسول الله (ص) أنه قال في البحر:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".

وفي مقابل ذلك جعل الله المياه الجارية عذبة؛ لأنها بجريانها وحركتها وتبدلها لا يأتي عليها التعفن أو الفساد - فلا جرم أن تكون هذه حكمة الصانع العليم، مما يشير إلى عظيم قدرته وتدبيره في خلقه - أفلا يدل ذلك كله على وجود الإله الصانع المقتدر؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت