وقيل: (يضار) فعل مضارع مبني للمجهول - وعلى هذا فأصل الكلمة يضارر - (كاتب) نائب فاعل مرفوع - (شهيد) معطوف عل كاتب فيكون المعنى أنه ليس لكم أن تضروا الكاتب والشهيد إذا دعوتموهما للكتابة والشهادة فاعتذر لانشغالهما ونحوه.
قوله (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) (إن) أداة شرط جملته (تفعلوا) - والفاء مقترنة بجواب الشرط - وجواب الشرط الجملة الاسمية من أن واسمها وخبرها - أي إن تفعلوا المضارة وذلك أن يزيغ قلم الكاتب فيكتب غير الحق أو يميل لسان الشاهد فيشهد بالباطل، وفي ذلك ضرر معلوم؛ فإن ذلك (فسوق بكم) أي حال بكم، والفسوق المعصية والخروج عن طاعة الله.
أو أن يكون المعنى على الوجه الآخر وهو إن تفعلوا المضارة بالكاتب والشهيد وذلك بإيذائهما لاعتذارهما عن الكتابة والشهادة فإن ذلك (فسوقا بكم) أي معصية لله واقعة بكم.
وقوله: (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) يأمر الله عباده المؤمنين بتقواه وهو خوفه ومراقبته في السر والعلن، ومن يكن كذلك فإن الله يؤتيه علما ويجعل في قلبه نورا ويكشف له عن كثير من مغاليق الأمور ومعمياتها؛ ليزداد على الدوام علما على علم - والله جلت قدرته أعلم العالمين فهو عليم بكل شيء وإن علمه محيط بالكون والحياة وكل شيء.
283 - (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)
قوله تعالى: (وإن كنتم عل سفر ولم تجدوا كاتبا فرهانٌ مقبوضة فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ثم قلبه والله بما تعملون عليم) ربما يتعذر على المرء أن يأتي بالكاتب ليكتب الدين، وكثيرا ما يكون ذلك في حال السفر، ويلحق بغياب الكاتب انعدام أدوات الكتابة مثل القرطاس والقلم والمداد - فإذا ما تعذر وجود شيء من ذلك وتعذرت الكتابة كان للدائن أن يستحصل من مدينه رهنا يقبضه يدا بيد، وذلك حال انعقاد الدين في مجلس العقد - وقد صنع النبي (ص) مثل ذلك - فقد أهرج النسائي من حديث ابن عباس قال: توفي رسول الله (ص) ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير لأهله.
والرهان جمع ومفرده رهن وفعله رهن أي ثبت ودام واستمر، والراهن هو الثابت الدائم المستمر، نقول رهنته المتاع بالدين أي حبست متاعه إلى أن يؤدي ما عليه من دين 354.
والراهن في الاصطلاح الشرعي كما عرفه القرطبي رحمه الله هو: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفي الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم - وقد جعل الرهن بدلا عن الكتابة عند تعذرها وأغلب ما يكون في ذلك السفر والمقصود من الرهن توثيق الحقوق التي للدائنين عل المدينين؛ كيلا يجحدوها أو تصيبهم فيها غفلة أو إهمال 355.