قوله: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} (وكلا) ، مفعول أول لجعلنا - و (نبيا) ، مفعول ثان؛ أي بعد أن تنحى إبراهيم عن المشركين وابتعد عنهم وعن أصنامهم وشركهم جزيناه خير ما يجزاه المؤمن من عطايا الدنيا وهو الولد الصالح - فكيف بالولد إذ كان نبينا؟ إن هذا لهو خير الجزاء والعطاء؛ فقد وهب الله لإبراهيم ولده إسحاق؛ ثم من بعده يعقوب نافلة، لتقرّ بهما عينه ويجد فيهما أنسه وسكينته (وكلا جعلنا نبيا) كلاهما نبي مرسل من ربه - لا جرم أن هذا خير إكرام يمتن الله به على رسوله وخليله إبراهيم؛ إذ وهبه ولدين كريمين، في ذريتهما النبوة الميمونة والرسل الكرام.
قوله: {ووهبنا له من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا} وهبهم الله من رحمته النبوة والصلاح والذرية الكريمة وأورثهم الذكر الطيب والثناء الحسن،
فجميع أهل الأديان السماوية يثنون عليهم ويمتدحونهم امتداحا 26.
قوله تعالى: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) } أي قُصَّ عليهم يا محمد من القرآن خبر موسى كليم الله (إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا) (مخلصا) بفتح اللام؛ أي كان موسى مختارا، اختاره الله واصطفاه ليكون رسولا نبيا؛ إذ كان من المرسلين العظام أولي العزم الذين اصطفاهم الله على سائر الخلق والنبيين.
قوله: (وناديناه من جانب الطور الأيمن) (الطور) ، جبل بين مدين ومصر - و (الأيمن) يعني اليمين؛ أي يمين موسى - وكان ذلك لدى إقباله من مدين إلى مصر حين ذهب يبغي جذوة من نار رآها مشتعلة - وحينئذ كلمه ربه تكليما وهذه مناداته له.
قوله: (وقربناه نجيا) (نجيا) ؟ حال منصوب - والنجي معناه المناجي، من المناجاة والاستسرار 27؛ أي جعلناه قريب المنزلة والمكانة - وهو تقريب تشريف وتكريم.
قوله: {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} لقد استجاب الله دعاء كليمه موسى؛ إذ سأله متضرعا (واجعل لي وزيرا من أهلي) فأكرمه الله خير إكرام ومنّ عليه من رحمته وفضله أن وهب له نبوة أخيه هارون، يستأنس به ويكون له عونا وسندا.