فهرس الكتاب
الاستفهام في قوله: (وهل أتاك) استفهام إثبات وإيجاب، المقصود منه تقرير الجواب في قلبه، والمعنى: أليس قد أتاك - وقيل: معناه وقد أتاك، وهو قول ابن عباس.
شرع الرحمن جل وعلا في بيان قصة موسى عليه السلام لما ابتدأه الوحي بعد ما قضى الأجل الذي كان بينه وبين صهره شعيب ثم سار بأهله ميمما شطر مصر عقب غياب استمر عشر سنوات، فضل وزوجته الطريق وكان ذلك في ليلة مظلمة شاتية حتى رأى من جانب الجبل نارا فاستأنس بها وذلك هو قوله سبحانه:
(إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا) إذ، ظرف - أي حين رأى نارا قال لأهله: أقيموا في مكانكم فقد (آنست نارا) من الإيناس، والاستئناس وهو رؤية شيء يستأنس به في مثل هذا الظرف الموحش حيث الظلمة والانقطاع والشتاء المنهمر - فقد استأنس موسى بوجدان هذه النار - فرجا أن يأتي أهله بجذوة منها - وهو قوله: (لعلي آتاكم منها بقبس) القبس، شعلة من نار؛ فقد بنى موسى الأمر على الرجاء وليس القطع؛ فقد رجا أن يأتي أهله بشعلة من نار (أو أجد على النار هدى) وقد رجا كذلك أن يجد هاديا أو قوما يهدونه الطريق.
قوله: {فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) } لما أتى موسى النار ووجدها تتوقد في شجرة ولم يجد عندها أحد، حينئذ ناداه ربه من جهة الشجرة المتوقدة المضيئة - وما نريد هنا أن نطيل في الحديث عن ماهية النداء الذي سمعه موسى أو حقيقته وكيفية حصوله - فإن الطمع في مثل هذه المعلومات غير ذي جدوى - لكن المهم في مثل هذه المسألة أن موسى قد سمع الصوت الرباني الكريم المذهل - الصوت الذي يفيض جلالا ومهابة ورحمة.
إذ يناديه ربه ليبين له أنه الله وليخلع نعليه في هذه البقعة المباركة الطهور - وهو قوله: {فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى} أي الواد المطهر - و (طوى) ، اسم علم للوادي وهو بدل منه 2؛ أي انزعهما فإنك في بقعة مباركة طاهرة، فما ينبغي أن تطأها بنعلين فانزعهما - أو أمره بنزعهما على سبيل التواضع لله والمبالغة في الخضوع له والإحساس بالذل أمام عظمته وجبروته.
قوله: {وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى} بمعنى اصطفيتك للرسالة وتبليغ الناس دعوة الحق، فاستمع لما أوحيه إليك - ومن مقتضى الاستماع سكون الجوارح وحسن الإصغاء
بالسمع في اهتمام ووعي وحضور للقلب والعزم على الطاعة والعمل.
قوله: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) وهذا بيان من الله لكليمه موسى عليه السلام عن أعظم حقيقة يجب عليه أن يقف عليها ويعمل بمقتضاها وهي أن الله واحد لا شريك له، وأنه لا إله غيره، فعليه أن يعبده وحده، وذلك بالخضوع لجلاله والاستسلام لأمره.