وفي التحذير من الخيانة في الكيل والميزان روي الترمذي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والوزن: (إنكم قد وليتم أمرا فيه هلكت الأمم السالفة قبلكم) .
قوله: ولا تبخسوا الناس أشياءهم من البخس وهو النقص 131 فقد نهي عن كل وجوه الانتقاص من أموال الناس ظلما كالغش في المبيعات بتعييب السلعة والتدليس فيها أو التزهيد فيها لتبوء بالخسارة أو الاحتيال في الكيل والميزان بما يجر للمحتال مالا مقتطعا من نصيب العاقد الآخر - إلى غير ذلك من وجوه الحرام وأكل الأموال بالباطل.
قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} كانت الأرض قبل مبعث شعيب رسولا إلى أهل مدين، يعمل فيها بكل المعاصي من إشراك وجور وسفك للدماء واستحلال المحارم وفعل للموبقات، وذلك هو فسادها - أما إصلاحها: فهو ابتعاث النبي شعيب فيها يأمرهم بالخير والمعروف والطاعات، وينهاهم عن الشرك والجور وفعل المعاصي - وفي هذه الآية ينهي شعيب قومه عن فعل المحرمات والمحظورات مما كانوا يعملونه قبل بعثه إليهم كالشرك، وبخس الناس في الكيل والميزان، وغير ذلك من وجوه الظلم والحرام.
قوله: {ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} أي هذا الذي بينته لكم وأمرتكم به من إخلاص العبادة لله وحده دون سواه وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل والميزان واجتناب البخس والفساد في الأرض، كله خير لكم في دنياكم؛ إذ تكسبون حب الناس لكم وتصديقهم إياكم وثقتهم بكم، فتتبايعون وتتعاملون وتستربحون؛ فتعيشون في مودة وسعادة وتآلف - وهو كذلك خير لكم في آخرتكم يوم القيامة؛ إذ تحظون بنعيم الله ورضوانه - وذلك كله {إن كنتم مؤمنين} أي إن كنتم مصدقي فيما دعوتكم إليه وما أمرتكم به او نهيتكم عنه - وقيل: إنما يجاء بمثل هذا الشرط في أخر الكلام للتأكيد.
قوله: {ولا تقعدوا بكل صراط وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا} أي لا تجسلوا بكل طريق من طرق الناس توعدون من آمن بشعيب بالقتل - فقد كان قومه يقعدون على طريق من يقصد شعيبا ليؤمن به فيتوعدونه ويخوفونه ويحذرونه من تصديقه ويحرضونه على تكذيبه ويقولون له: إنه كذاب.