والشيطان صنفان من حيث الأصل أو الجنس، وهو إما أن يكون من الجن فهو بذلك مستور عن أعين الناس، لكونه ذا تركيبة أخرى لا يدركها بنو البشر، والشيطان من هذا الصنف يوحي لأتباعه وأعوانه بطرقته التغريرية الموسوسة أن يجترحوا السيئات، ويرتكبوا الخطايا، أما الصنف الثاني: فهو من البشر وذلك صنف قد لا يقل في اقتداره على الإطغاء والغواية عن الأول، فذلك صنف خبيث من الناس يملك من فساد الطبع وموات الضمير والرغبة اللحاحة في صنع الشر ما يمكنه من الإفساد والإغواء، وما أكثر الشياطين من البشر الذين يوحون للناس بفعل المنكر ويزينون لهم أن يبادروا الذنوب وكل أنواع الحرام، حتى إن الشياطين من البشر كثيرا ما يلجأون إلى الإغواء والتغرير عن طريق الإرهاب فيما يحمل الإنسان المغرور أو المفتون على اقتراف المحظورات والمفاسد.
ومن الحقائق الملموسة لكل ذي عقل ما يحيق بالبشرية دائما من أساليب التآمر والخداع، وما يحاك لها في الظلام من صنوف الحيل والمخططات، وذلك من أجل أن تساق هذه البشرية نحو الهاوية بكل ما في هذه العاقبة من ضروب الكوارث والمهالك، النفسية منها الاقتصادية والاجتماعية.
إن هذه الحقائق التي نلمسها من خلال الكتب أو الصحافة أو وسائل النشر والإعلام بما يدفع الإنسان نحو الدمار الذاتي أو نحو الانمياع والتفسخ، إن ذلك كله من كيد الشيطان الناموسي، شيطان البشر الذي ينطلق في الأرض خلسة، فينفث الشر والمنكر، ويعيث بين الناس فسادا وتدميرا من أجل أن تستحيل البشرية الى ركام من المجتمعات الحائرة المضطربة، المجتمعات التي يشينها فساد النفس وانهيار القيم وكل مقومات الإنسان الأصلية.
قوله: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (لفظ الجلالة مرفوع بالابتداء، يستهزئ جملة فعلية في محل رفع خبر، 6 هؤلاء المنافقون الفسقة الذين يتصورون واهمين أنهم يخادعون المؤمنين بتظاهرهم المصطنع وأنهم لا يبتغون بهذا التظاهر غير الاستهزاء بهم والسخرية منهم، فإنهم مغرورون جهلة لا يعلمون أنهم هم موضع استسخار وهزء، وأنهم هم الذين تصفعهم من الله وصمة الاستسخار الغاضب سواء كان ذلك في هذه الدنيا أو في الآخرة حيث المهانة والتهكم من الملائكة والخلائق فضلا عن العذاب اللاهب الذي تستعر فيه جلود هؤلاء المجرمين وأبدانهم.
وكذلك فإن الله يستدرج هؤلاء المنافقين الواهمين استدراجا، إنه سبحانه يمهلهم ويمد لهم من العطاء واللعاع وهم سادرون في طغيان تجاوزوا به كل الحدود.
وقوله: (يعمهون (من العمه، والعموه وهو الضلال والتردد والحيرة، فإن المنافقين ماضون في الأرض طاغين فسقة يظنون أنهم على شيء من الوضوح والتبصر مع أنهم يخبطون في الأرض ضلالا وحيرة وقد أعماهم الإمداد والاستدراج حتى إذا جاء أمر الله سقطوا مع الهالكين في الأذلين، وباءوا من الله بالخسران العظيم.
قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون) .