وأما في الآخرة فإن مردهم إلى النار وبئس القرار، هنالك يجد الظالمون المضلون من عذاب التحريق والاصطلاء ما لا طاقة لهم باحتماله أو الاصطبار عليه - نسأل الله الغفران والرحمة.
وخلافا لأولئك الظالمين الذين باءوا بعذاب الله في كلتا الدارين، يمتدح الله عباده المسلمين الصادقين الذين آمنوا بعيسى المسيح، وصدقوه تمام التصديق، وأقروا له بكل تعاليمه التي بنيت على التوحيد الخالص وعلى تفرد الله وحده بالإلهية من غير شريك له في ذلك البتة، لا جرم أن هؤلاء سينالهم تكريم من الله وسيحظون من الأجر الأوفى ما هم به خليقون.
ذلك كله مقتضى قوله تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين) .
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 55]
قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) المراد بالوفاة هنا النوم - وذلك كقوله تعالى: (هو الذي يتوفاكم بالليل) وقوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) فهي في منامها متوفاة لكنها لم تمت - وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام عقيب قيامه من النوم:"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا".
وعلى هذا فالمراد من قوله: (متوفيك) أني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت - وبعبارة أخرى: قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل: توفيت مالي من فلان أي قبضته - ويحتج لذلك بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قوله لليهود:"إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة"107.
والقول الذي نجده صوابا في كيفية الوفاة هو أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم، وذلك من شأن الله ومن تقديره، فهو القادر على كل شيء ولا يعز عليه أن يفعل أي شيء يريد.
قوله: (ومطهرك من الذين كفروا) أي مخرجك من بينهم ليندرأ عنك سوء قصدهم وسوء جوارهم.
أما عن كيفية الرفع إلى السماء فقد ورد فيها أقوال عديدة متقاربة من جملتها ما ذكر عن ابن عباس أنه لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا (الحواريون) من عين في البيت ثم قال لها: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال: أنا - فقال عيسى: اجلس - ثم أعاد عليهم فقال الشاب: أنا - فقال عيسى: اجلس - ثم أعاد عليهم فقال: أنا - فقال عيسى: نعم أنت ذاك - فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام - ورفع الله تعالى عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء - ثم جاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، فتفرقوا ثلاث فرق: قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء - وهؤلاء اليعقوبية - وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه - وهؤلاء النسطورية - وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه - وهؤلاء المسلمون - فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فقتلوا 108.
قوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) .