أما عن كيفية الرفع إلى السماء فقد ورد فيها أقوال عديدة متقاربة من جملتها ما ذكر عن ابن عباس أنه لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا (الحواريون) من عين في البيت ثم قال لها: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال: أنا - فقال عيسى: اجلس - ثم أعاد عليهم فقال الشاب: أنا - فقال عيسى: اجلس - ثم أعاد عليهم فقال: أنا - فقال عيسى: نعم أنت ذاك - فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام - ورفع الله تعالى عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء - ثم جاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، فتفرقوا ثلاث فرق: قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء - وهؤلاء اليعقوبية - وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه - وهؤلاء النسطورية - وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه - وهؤلاء المسلمون - فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فقتلوا 106.
قوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) .
المراد بالذين اتبعوه هم الذين على دينه من عقيدة التوحيد الكامل، العقيدة الصحيحة السليمة المبرأة من كل أوضار الشرك؛ لا جرم أن أتباعه على هذه الملة السديدة من التوحيد الخالص هم المسلمون وحدهم، سواء كانوا في زمن المسيح - وهم الذين اتبعوه بحث على أنه عبد الله ورسوله، وليس شيئا غير ذلك مما تهرف به ألسن المبطلين والمضللين أو كانوا من المسلمين بعد ظهور محمد صلى الله عليه و سلم - إن هؤلاء المسلمين هم جاعلهم الله فوق الكافرين جميعا على تعدد مللهم وعقائدهم الفاسدة، عقائد الشرك والضلال والانحراف.
على أن المراد بالفوقية هنا يحتمل وجهين: أحدهما: الفوقية المادية: وهي فوقية العزة والسلطان، الفوقية التي يظللها قوة الإعداد والعتاد والقدرة على قتال الضالين المفسدين في الأرض.
ثانيهما: الفوقية الاعتبارية: وهي القائمة على قوة الحجة والبرهان وسطوع الدلائل التي تشكف عن وجه الحق واليقين - والمسلمون في ميزان الله دوما هم الأعلون، وهم الجديرون بريادة البشرية ليسوسوا الناس بالحق والعدل والقسطاس المستقيم.
حتى إذا قامت القيامة صار الناس جميعا إلى الله، سواء فيهم أتباع عيسى من أهل التوحيد الخالص، أو الذين كذبوه أو أشركوا به - وإذ ذاك يقضي الله بين هؤلاء فيما كانوا قد اختلفوا فيه، إذ تفرقوا في حقيقة عيسى طرائق قددا، فأما الذين جحدوا نبوة عيسى عليه السلام أو خالفوا ملته السليمة المبنية على الإقرار لله بالعبودية أو قالوا فيه من الأباطيل الظالمة المفتراة ما لم ينزل الله به من سلطان فلسوف يعذبهم الله عذابا شديدا في الدنيا - وذلك بإخضاعهم لسلطان الإسلام وظهور الغلبة والاستعلاء للمسلمين عليهم - فما يجترئون على قتال المسلمين إلا كتب الله النصر لعباده المؤمنين المخلصين وهم المسلمون الصادقون ماداموا غير مختلفين ولا متفرقين - ومادامت تجمعهم العقيدة الإسلامية الراسخة وتشدهم كلمة الإسلام وحقيقة الإخلاص الكامل لله دون سواه - وإذا ما تحول المسلمون عن هذه الحقائق الراسخة إلى حيث التهاون والضعف والاستكانة أو التشبث بمذاهب غير إسلامية كالاشتراكية والفرعونية والقومية والإقليمية ونحو ذلك فلا جرم أن تحيق بالمسلمين الهزائم والأهوال وأن تدور عليهم دوائر القهر والإذلال.