وفي السورة وصف للظروف النفسية والواقعية التي سبقت غزوة بدر الكبرى - وبذلك فإن الله يأمر عباده المؤمنين بالثبات عند لقاء العدو، وليذكروا الله ذكرا كثيرا ليكونوا من المفلحين - ويحذرهم دائما من التنازع والشقاق والخصام فيما بينهم لما في ذلك من مدعاة لزوال شوكتهم وبأسهم وانهيارهم بالكلية.
وفي السورة تنديد بالخيانة ونقض العهود إلا أن يخاف المسلمون من غدر المعتدين الظالمين - فإن خافوا خيانتهم وغدرهم نبذوا إليهم عهدهم وميثاقهم، بإعلامهم جهارا وعلانية أنهم نقضوا العهد معهم.
ويأمر الله المسلمين بإعداد القوة لمقاتلة المشركين المعتدين ما استطاعوا إلى الإعداد سبيلا.
وتبين تفضيلا تأويل قوله: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} كيلا يكون بعد ذلك مجال لمتحذلق متأول كذوب، أو مفتر مغرض منافق، أو منتفع دجال مريب، يحمل هذه الآية غير ما تحتمل.
ويأمر الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يحرض المؤمنين على قتال المشركين الظالمين المتربصين، الذين يعتدون على المسلمين في دينهم بالفتنة، وفي أموالهم وثرواتهم بالنهب والسلب، وفي أوطانهم وبلادهم وبالاغتصاب والاحتلال، وفي كراماتهم وشرفهم بالامتهان والإذلال.
وفي السورة تشريع لمسألة الأسرى نعرض لها بالتبيين إن شاء الله.
بيان تفصيلي للسورة
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين 1 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته إيمانا وعلى ربهم يتوكلون 2 الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون 3 أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} .
في سبب نزل هذه الآية روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم اله تعالى العدو فانطلقت طائفة في أثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب - وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم - وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فزلت: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} الآية.
وروي الإمام احمد أيضا عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء؛ أي عن سواء 1.